لم تكن التهديدات الاسرائيلية والدولية بقطع المساعدات المالية عن اي حكومة فلسطينية بقيادة »حماس« طارئة او جديدة، فعقب الاعلان عن فوز »حماس« في الانتخابات التشريعية الاخيرة مباشرة، جمدت الحكومة الاسرائيلية ولو مؤقتا، تحويل اموال الجمارك التي تجبيها الى السلطة الفلسطينية، وصدرت تهديدات في ذلك الحين عن الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بوقف المعونات المالية المباشرة للسلطة الفلسطينية.
في ذلك الوقت ، اي قبل ما يزيد عن ثلاثة شهور، كان رئيس المكتب السياسي لحركة »حماس« يقوم بجولة في عدد من الدول العربية والاسلامية، التي ارتضت فتح ابوابها، والقى خطابات كان مضمونها يحمل الاستهانة بالمساعدات الدولية، والتأكيد على ان هناك بدائل مؤكدة، عربية واسلامية لهذه المساعدات. ويبدو ان مشعل كان متفائلا اكثر من اللازم، بان تتحرك الحكومات الشقيقة لنجدة الشعب الفلسطيني، وان تملأ الخزينة الفلسطينية الفارغة بالدولارات واليوروات.
وتمر الايام والاسابيع والشهور، وتعلن الحكومة الفلسطينية الحالية خلال الاسبوع الماضي ان الخزينة الفلسطينية خاوية على عروشها. هذا في الوقت الذي لم تصرف فيه رواتب شهر آذار لموظفي السلطة البالغ تعدادهم 140 الفا، دون ان يكون في الأفق ما يشير الى انفراج الازمة ونهاية معاناة الموظفين، الذين يعيشون على رواتبهم عيش الكفاف يوما بيوم، واي تأخير لصرف الرواتب يعني الجوع والمرض، بل وعدم القدرة على الوصول الى اماكن العمل.
وتتوالى التصريحات الرسمية بان هناك وعودا وتعهدات من قبل دول عربية واسلامية بسد الفراغ الكبير الذي خلفته المقاطعة الاقتصادية الغربية للحكومة الفلسطينية، لكن هذه الوعود ما تزال حبرا على ورق. ومثل هذه الوعود لا تطعم جائعا ولا تعالج مريضا، ولا توفر الخدمات الاساسية من مياه وكهرباء وطرق لابناء الشعب الفلسطيني، وانما هي تعيد الى الاذهان قول من اشتكى كثرة الوعود وفراغ الجيوب، حين ذكر انه غني، لكن امواله وعود وكلام في الهواء، لا يسمن ولا يغني من جوع.
ان هناك حاجة الى تقييم موضوعي لقضية المساعدات الدولية، وهل بالامكان حقا الاستغناء عنها ببدائل دائمة ومنتظمة، وقادرة على اختراق الحصار الاسرائيلي والدولي، ام ان هذه المساعدات قد اصبحت عماد الاقتصاد الفلسطيني، وقوام الحياة اليومية للمواطنين الفلسطينيين. واذا كانت الدول العربية الشقيقة، التي يفترض انها الدرع الواقي لابناء الشعب الفلسطيني عاجزة، او غير راغبة في تقديم العون المنشود، فان السلطة الفلسطينية ممثلة في مؤسسة الرئاسة والحكومة، مطالبة بالبحث عن حلول وآليات لانهاء الازمة، ووضع حد للمعاناة.
والمطلوب من الدول العربية وغير العربية، التي قطعت هذه الوعود ان تنفذها على ارض الواقع، لأن مصداقيتها من جهة والاحترام المفترض لخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي من الجهة الاخرى، يتطلبان ملء الخزينة الفلسطينية بالحد المقبول من المخصصات المالية، الكافية للتغلب على الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، وتمكين هذا الشعب من تلبية احتياجاته الاساسية، ومتطلبات الحياة اليومية التي لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الاحوال، وهي التي تدعم اي تحرك وطني فلسطيني نحو التحرر والاستقلال.