في لقاء بينه وبين مواطني إحدى المدن الصغيرة فوجئ الرئيس الأميركي جورج بوش برجل يخاطبه بكل وقار وأدب قائلاً: سيدي الرئيس من أعطاك الحق في مراقبة هاتفي، ومن سمح لك بإلقاء القبض عليّ دون تهمة أو محاكمة؟ وحاول الرئيس ان يمتص الصدمة برد ساخر من جانبه ظناً منه انه سيمتص غضب ذلك المواطن، كما قال المذيع في محطة «ايه بي سي»، عندما قال الرئيس ضاحكاً: يبدو انك لا تحبني، ولم يضحك المواطن مع من كانوا يجلسون حوله، ولكنه استمر في مهاجمة الرئيس، وهنا تدخل الحجاب وبطانة الحماية و(كل شيء تمام) ليخرسوا الرجل، ولكن الرئيس منعهم، وبصوت عالٍ طلب منهم ان يجلسوا ويتركوا الرجل يتكلم، وكرر عبارات الممازحة والملاطفة للرجل دون فائدة.
الأغرب في هذه الواقعة هو ما حدث بعد ذلك فالرجل لم يختف عن الأنظار، ولم تدهسه سيارة مسرعة، ولم يعثر عليه دون ملابس في صحراء من صحارى الولايات المتحدة، وهذا شيء طبيعي في بلاد الحرية رغم شراسة المرافقين والتي ظهرت ردة فعلها على الرئيس قبل ان يمنعهم من إسكات الرجل، أقول لكم ان الأغرب في كل ما حدث ان الرجل أصبح نجما تلفزيونيا رغم بساطته، وكان ضيفا على أحد أهم البرامج الحوارية، واعتبر اللقاء معه سبقاً صحافياً، وظن المحاور انه سيستفز ذلك المواطن، وسيجعله يبوح بمكنونات نفسه، ويعبر عن معارضته لسياسات الرئيس، وانتهاكات إدارته للمبادئ التي قامت عليها الدولة العظمى، فإذا بالرجل يصدم محاوره وكل الذين استمعوا إليه وشاهدوه، بالهدوء نفسه، و بالتعبيرات العفوية نفسها رد عليه عندما سأله: كيف استطعت ان تقف أمام الرئيس وتقول مثل ذلك الكلام، قال الرجل :
ماذا فعلت؟ أنا لم أخطئ، ولم أتجاوز، لقد مارست حقي، فقد قالوا ان الرئيس قادم إلينا وسيلتقي بنا، ولان الرئيس يعمل عندي بوظيفة رئيس من حقي ان اسأله ما أشاء، وأن يجيب عن أسئلتي». ولم يكن هناك أكثر من ذلك، فانتهى الحوار التلفزيوني، ورسخت الإجابة في أذهان الجميع، والرجل لم يستخدم غير حقه في طرح رأيه، وربما هو غاضب من الرئيس لأنه منحه صوته في الانتخابات، ولكنه لم يعطه الحق في إصدار قرارات سرية مخالفة للدستور تنتهك حقوق المواطنة، وقد جاء إليه ليسمع الإجابة منه، ليقول له إنه لم يفوضه بذلك، تماماً كما فعل الشعب الفرنسي مع قانون العمل الجديد، احتج فلم يسمعه أحد، فاعترض ولم يلتفت إليه أحد، وبين عيوب القانون وانتهاكاته لحقوق العاملين من الشباب فلم يتنبه لكلامه أحد، فخرج إلى الشوارع ليوصّل رأيه بكل تحضر ورقي حتى استمع الرئيس وانتبه إلى الظلم الذي سيقع على العمال الصغار في السن إذا طبق، وعدل القانون وهدأت النفوس.