يتأثر نوع التبعية الاقتصادية وعواقبها بمجموعة من العوامل المختلفة. ويمكن تصنيف هذه العوامل إلى: عوامل صناعية ومالية وعوامل تتعلق بالعلاقات الدولية. وتجدر الإشارة إلى أن تكامل العلاقات الدولية ونشاط الشركات متعددة الجنسيات يؤديان إلى زيادة التبعية المتبادلة وتعزيز التقارب بين دول «المليار الذهبي»،ويحقق في نفس الوقت تباعد الدول الغنية عن الدول «الثانوية» ذات النسبة المنخفضة في التبادل التجاري العالمي. لذا يمكن وصف التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي بالتجانس والاتزان، الأمر الذي يؤكد أن هذه الظاهرة ايجابية-في حالات معينة، خاصة عندما تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة بين شركاء متساوين.

وقد أصبحت الشركات متعددة الجنسيات عاملاً أساسياً في السياسة الدولية، باعتبار أنها تسيطر على 90 % من إجمالي حركة رأس المال، وتشكل مبيعاتها أكثر من نصف حجم التجارة الدولية.وتسيطر هذه الشركات على أكثر من ثلث القدرة الإنتاجية العالمية حيث تقوم بإنتاج نحو 50 % من إجمالي الناتج العالمي.

وعلى الرغم من وجود جميع العناصر الضرورية للتنمية الاقتصادية في روسيا، إلا أنها وقعت في التسعينات من القرن الماضي تحت تأثير الاقتصاد الخارجي ما أدى إلى تراجع الاقتصاد الروسي بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، ويعود ذلك إلى السياسة الاقتصادية الروسية وعناصر التأثير الخارجي ابتداء بالسوق العالمية والمنظمات الدولية وانتهاء بسياسات الدول الكبرى.

جوهر التبعية الاقتصادية يكمن في انعدام الكفاءة واستحالة ممارسة الاقتصاد بشكل مستقل. وتستطيع الدولة المستقلة اقتصاديا أن تبني سياستها بالاعتماد على قدراتها الذاتية.وليس بالضرورة النظر إلى الاستقلال الاقتصادي بصفته اعتماد على القوى الذاتية أو اكتفاء ذاتي، أي بما معناه العزلة الكاملة عن الأسواق الخارجية. ولكن للدولة المستقلة حق اختيار السياسة واتجاهاتها.

هل كان لروسيا في بداية مرحلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية حق هذا الاختيار؟ نعم، وبدون شك، امتلكت روسيا في هذه الفترة الكثير من المقومات اللازمة مثل الموارد الطبيعية والأراضي الشاسعة والكوادر المؤهلة والقدرات العلمية والتكنولوجيا الحديثة. كما كانت الظروف الخارجية مواتية إلى حد ما.وهنا يمكن الإشارة إلى عدم وجود ضغط خارجي وفي الوقت نفسه ضآلة حجم المديونية.ولكن مع الوقت ازداد الضغط الخارجي وتأثير الأسواق العالمية على روسيا.فكان ذلك يشكل التناسب الطردي لإنهاك روسيا، وهو ما يؤكد عمومية قوانين المنافسة.

وصلت روسيا إلى التبعية الكاملة في العلاقات الاقتصادية الخارجية في نهاية القرن العشرين وذلك حسب مؤشرات عديدة،منها طبيعة العلاقات الاقتصادية الخارجية التي قضت على الاقتصاد الروسي وعطلت عملية إعادة الإنتاج في إطار الدولة، كما فرضت على الاقتصاد الروسي العمل بشكل منفصل لخدمة أهم العناصر الصناعية والتجارية في السوق العالمية.

وإضافة إلى ما تم ذكره توجد عوامل تؤثر سلبا على وضع روسيا في العالم ومن بينها انخفاض عدد السكان والسياسة الداخلية المتناقضة من جهة، ومن جهة أخرى السياسة المتحيزة للدول والمنظمات الدولية المختلفة تجاه روسيا والتخلف التقني في العديد من قطاعات الإنتاج والخ. وتتمثل خصائص العلاقات والسياسة الاقتصادية الخارجية لروسيا التي قادت البلد نحو التنمية في إطار التبعية خلال التسعينات في ما يلي:

1- لم تعد العلاقات الخارجية مصدرا لعملية إعادة الإنتاج الموسعة حيث توقف هذا النوع من الإنتاج بشكل كامل.

2- أثرت بنية التجارة الخارجية لروسيا على عملية تشكيل اقتصاد أحادي الجانب موجه نحو تصدير الموارد المعدنية والخامات. وفي أواسط التسعينات تعزز دور روسيا بصفتها دولة مصدرة لموارد الطاقة والمواد الخام.

وعلى هذا الصعيد تجدر الإشارة الى أن الانتقال المفاجئ لأسعار السوق العالمية إلى داخل الاقتصاد الروسي سبب الفوضى في الإنتاج وحطم العديد من قطاعات الصناعة المختلفة ،وكذلك بعض أنواع الإنتاج. كما أدى التعامل بالأسعار العالمية داخل روسيا إلى زيادة اعتماد اقتصادها على توريد المنتجات الحيوية من خارج حدودها.

ولقد أدى التصور الخاطئ عن القروض الأجنبية واستعمالها بشكل سيئ إلى تراجع نسبة الإنتاج المحلي من إجمالي الدخل الوطني لروسيا، وانتشار ظاهرة البطالة في الفروع المعنية. كما ازدادت « دولرة» الاقتصاد الروسي واعتماد التنمية الاقتصادية للدولة على حركة سعر صرف الروبل مقابل العملة الأميركية.

وسبب استيراد العملة الأجنبية وتخزينها تقلصا حادا للإصدار النقدي بالحجم المقبول وانسدادا في قنوات توزيع رؤوس الأموال التي تخدم الإنتاج والتجارة والأسواق المالية. كما أدى عجز السيولة إلى نقص في المبالغ المتداولة للمصانع والمؤسسات مما جعل الدولة تعتمد على المصادر المالية الخارجية.

دفع تحرير الأسواق المالية في روسيا إلى اتساع المضاربة الدولية التي أدت إلى انهيار سوق الأوراق المالية الوطنية،بما في ذلك سندات الخزانة الحكومية. وفي هذا الصدد سبب تحرر الأسواق المالية وغياب الرقابة الحكومية إفلاس الحكومة الروسية واستحالة تغطية المديونية الداخلية وانخفاض سعر صرف الروبل مقابل الدولار الأميركي بمعدل ثلاث مرات في أغسطس 1998م. ولقد لوحظ آنذاك تأييد مصطنع لسعر صرف الروبل المرتفع أمام الدولار الأميركي وذلك خلال فترة طويلة من الزمن، مما يعني الإعانة المالية للسلع المستوردة والمنتجات الأجنبية، الأمر الذي يحمل المنتجين الوطنيين أضراراً وخسائر كبيرة.

في النهاية نجد أن الصورة العامة التي تميز الاتجاه نحو التبعية نتيجة لتأثير مجموعة من خصائص واتجاهات تنمية للعلاقات الاقتصادية في تسعينات القرن الماضي ليست سوى حيلة تهدف إلى الحفاظ على البنية الاقتصادية المتدهورة، مما ظهر بشكل واضح وجلي في الفترة قبل أزمة عام 1998م وفي أثناء تلك الأزمة.

وجاء تشكيل المقدمات اللازمة لخروج روسيا الاتحادية من الأزمة وانتعاش اقتصادها في بداية القرن الجديد. هذا وقد تم خلال السنوات الخمس الأولى من هذا القرن تحقيق نتائج مهمة.

عميد كلية الاقتصاد جامعة الصداقة، موسكو