فجأة اشتعل النووي الإيراني وصار حديث الساعة. من طهران إلى واشنطن مروراً بعواصم القرار والمنطقة. شرارة التخصيب رفعت حرارته بدرجة غير مسبوقة. أحدثت شبه هزة. ومع هذه القفزة الحمراء، دخل الملف حقبة جديدة ومفتوحة. بل يمكن ان يكون قد وضع المنطقة على منعطف مجهول وخطير.

المقلق في الموضوع ان النقلة النوعية التي حققها التخصيب الإيراني لليورانيوم، اقترن الإعلان عنها، كما ردود الفعل عليها، بقدر من المبالغة ومن الخطاب الاندفاعي. وهنا تكمن المحاذير ومخاطر الانزلاق إلى حيث تنسد معه القنوات والمداخل المؤدية إلى حلول وتسويات، توفر على المنطقة والعالم نشوب أزمة مدمرة؛ قد لا يسلم أحد من تداعياتها المؤذية.

في الماضي، خلال السنوات الثلاث، كان الخلاف والجدل يدوران حول التخصيب ومكانه وضوابطه. إيران تمسكت بحقها فيه للأغراض المدنية. وهو حق تكفله اتفاقية الحد من الأسلحة النووية، المنتسبة إليها طهران. النزاع كان حول كيفية حصولها عليه. الأميركيون والأوروبيون زعموا ان الإيرانيين يضمرون برنامجاً عسكرياً نووياً وليس استخداماً مدنياً لذا اعترضوا على التخصيب داخل إيران.

أخذت المفاوضات أكثر من سنتين، إلى ان وصلت إلى الطريق المسدود. تدخل الروس وعرضوا أن يقوموا بالتخصيب على أرضهم، لحساب إيران. تعثر الاقتراح. دخل الملف إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، الذي أعطى طهران فترة شهر للعودة عن قرارها بمقاطعة عملية التفتيش، التي تتولاها وكالة الطاقة الدولية.

في اللحظة التي عادت إيران عن هذه المقاطعة، أعلنت عن نجاحها في استكمال دورة الوقود النووي. أي انجاز عملية التخصيب. صار هذا الأخير بضاعة إيرانية محلية. تحوّل إلى أمر واقع على الأرض. ولو أن هذا التحول ليس سوى خطوة متواضعة، في هذا المجال. فقد ارتفعت معها درجة التخصيب من 0.5 إلى 3.5%. والدرجة اللازمة لصنع السلاح النووي، كما يقول الخبراء، يجب أن لا تقل عن 90 إلى 95%.

ترجمة ذلك عملياً أن المسافة مازالت بعيدة عن امتلاك إيران للسلاح النووي. خبراء كثيرون ومنهم أميركيون يؤكدون ذلك. في تقرير لها حول الموضوع نسبت نيويورك تايمز إلى محللين قولهم ان طهران مازالت بحاجة إلى «معدات ومهارات ومواد» كي تستطيع تحقيق حلمها النووي.

والتقديرات حول المدة اللازمة لاستكمال المطلوب تتراوح بين 5 إلى 10 سنوات والبعض يقول إلى أكثر . وثمة تقديرات أخرى تتحدث عن 15 شهراً. الإسرائيليون يتحدثون ـ طبعاً من باب التحريض والتهويش ـ عن مدة أقل.

والخطاب الإيراني نفسه يترك الانطباع بأن المسيرة النووية تمضي سريعاً ومن «غير أن يكون بقدرة أحد على الوقوف بوجهها. إدارة الرئيس بوش أعربت عن قلقها، مع التلميح إلى تصعيد الإجراءات ـ العقوبات في المدى القريب ـ ضد إيران لحملها على التخلي عن متابعة السير في هذا «الاتجاه الخطأ»، على حد تعبير الرئيس بوش؛ الذي دأب مع أسلافه على تجاهل الترسانة النووية الإسرائيلية.

الخطوة الإيرانية النووية متواضعة. لكن لا شك أنها تطور نوعي يفيد بأن طهران دخلت النادي النووي. هي لا تمتلك شروط العضوية الكاملة، فيه، بعد، لكنها امتلكت المؤهلات لاستيفاء الشروط هذه؛ لاحقاً. وبين المؤهلات والشروط تكمن الفرصة لسحب فتيل هذه الأزمة. المطلوب لجم الاندفاع النووي من جانب طهران ولحجم الاندفاع التصعيدي من جانب الأميركيين والأوروبيين. فلا النووي يطيق التسخين ولا المنطقة التي يكفيها ما فيها من حرائق.