من شأن أي شخص أن يشعر بالإحراج ربما إذا خلصت دراستان اثنتان، وليس دراسة واحدة حول الطريقة التي ينجز بها عمله إلى أن خططه وافتراضاته خاطئة كلياً، لكن هذا الكلام لا ينطبق على وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد.
فلقد خلصت دراسة أعدتها «راند كورب» بتفويض من البنتاغون حول وضع الجيش في زمن الحرب هذا إلى أنه من دون زيادة قوة الجيش، فإن «الجيش ببساطة لن يستطيع الإبقاء على مستويات القوة اللازمة لكسر ظهر حركة المسلحين في العراق».
كما خلصت دراسة أخرى، أعدها معهد تحليل الدفاع التابع لوزارة الدفاع نفسها، إلى أن برنامج النقل في الجيش، والذي يهدف إلى إضافة ألوية مقاتلة، من دون زيادة القوة البشرية، يؤدي في المحصلة إلى خفض عدد الكتائب المناورة في تلك الألوية وفي الوقت نفسه زيادة عدد الجنود في المقرات الرئيسية.
وتقول دراسة معهد تحليل الدفاع إن «جوهر القوة البرية يكمن في الكتائب المناورة التي تحتل الأرض وتسيطر على السكان وتخوض المعارك وليس في مقرات الألوية. ومع ذلك، فإن الجيش يخطط لتقليص عدد الكتائب المناورة لتصبح أقل بـ 30 في المئة من العدد الذي كان متوفراً في 2003، وفي الوقت نفسه زيادة عدد المقرات العسكرية بنسبة 5,11 في المئة».
وخلصت دراسة معهد تحليل الدفاع إلى أنه بموجب خطة الجيش، التي يتم التحضير لها الآن، تم خفض عدد كتائب المشاة في ألوية المشاة وكتائب المدرعات في ألوية المدرعات من ثلاث كتائب إلى كتيبتين اثنتين. ويرد الناطقون باسم الجيش على هذا الوضع بالقول ان كل لواء معاد تنظيمه حصل أيضاً على سرية استطلاع تمتلك قدرات قتالية.
ويجادلون أيضاً بأن تكنولوجيا المعلومات المحسنة واستخدام «القدرات المشتركة» مثل القصف الذي يقوم به سلاح الجو، سيعوضان عن أي تقليص في حجم القوة البشرية. وهذه نظرية مغرية جداً بطبيعة الحال، لكنها نادراً ما كانت مرضية لأولئك الذين يغوصون في مستنقعات الوحل والدماء في ساحة المعركة.
ودفاعاً عن زيادة القوة البشرية في مقرات الألوية، يقولون إن هذه الإضافات مفيدة جداً عملياً لأنها تعني أن كل لواء أعيد تنظيمه يملك الآن مدفعيته الخاصة وشرطته العسكرية ومهندسيه ووحداته اللوجستية الخاصة.
لكن الحاجة لزيادة القوة البشرية للجيش والتي تتجلى واضحة في حقيقة أن الكثير من الجنود يخدم الآن في انتشاره الثالث في العراق أو أفغانستان، والعديد من الجنود الشباب يجدون أنفسهم في المحاكم في دعاوى طلاق ـ هذه الحاجة رفضها رامسفيلد بعناء لأسباب تتعلق بالتكلفة.
كما يرفضها قادة الجيش أيضاً لأنهم يريدون انفاق المال على «نظام القتال المستقبلي» المكلف الذي لم تتطور التكنولوجيا التي يحتاجها بعد. وربما يكون لكل هذا الكلام الفارغ معنى في وزارة دفاع يترأسها رامسفيلد الذي ظنّ ان بمقدوره غزو العراق والإطاحة بصدام حسين بأقل من 50 ألف جندي.
وجاء رد رامسفيلد على الدراسة قائلاً: «لا أستطيع ان اتصور كيف يمكن لأي شخص ينظر الى القوات المسلحة الأميركية اليوم ان يشير الى أنها توشك على الانهيار، إن الأشخاص الذين يكتبون هذه الأشياء لا يمتلكون نظرة ثاقبة متبصرة في شؤون الجيش.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا كلفهم رامسفيلد بدراسة أوضاع الجيش؟ عندما طرح أحد الصحافيين هذا السؤال على رامسفيلد، أجابه قائلاً: «من المفيد ان تدعو بعض الأشخاص للإدلاء بتعليقاتهم وانتقاداتهم وإبداء آرائهم في هذا الأمر أو ذاك».
ومنذ بداية دورته الحالية الثانية كوزير للدفاع، أظهر رامسفيلد قدرة مذهلة على الإصغاء فقط للنصائح التي تتفق معه. أما النتائج المخالفة لرأيه، خاصة إذا جاءت من شخص يرتدي الزي العسكري وخبير في موضوع القوة القتالية، فتقابل بالعقوبة الفورية.
وقول الحقيقة في بنتاغون رامسفيلد يجلب لك المتاعب بأسرع ما تجلبها لك الخدمة العسكرية في مثلث الموت في العراق. ومن المثير للاهتمام أنه عندما حان وقت اعتماد الميزانية هذه السنة، أخبر رامسفيلد قادة القوات المسلحة أن بإمكانهم الحصول على زيادات في القوة البشرية أو أموال لشراء منظومات الأسلحة، إما هذه أو تلك،
لكن ليس الاثنتين معاً. وقد اختار قادة أفرع القوات المسلحة، من دون استثناء، المال لإغداقه على المقاولين لقاء أنظمة أسلحة صممت قبل 20 أو 30 سنة للحرب الباردة، أو لم تصمم بعد أصلاً. ثم تم إبلاغ القادة أن عليهم أيضاً القبول بتقليصات في القوة البشرية على مدار السنوات الخمس المقبلة.
إن غرور رامسفيلد وافتقاره للكفاءة تسببا بأضرار غير مسبوقة للقوات المسلحة في زمن مخاطر لن تنتهي بانتهاء عهده في واشنطن. وأولئك الذين طال بهم العمر ربما يتذكرون كيف استغرق الأمر عقداً طويلاً وعصيباً وأكثر لإصلاح الاضرار التي لحقت بقواتنا المسلحة خلال حرب فيتنام.
واصلاح كل ما كسره رامسفيلد ربما يستغرق حتى زمناً أطول.
خدمة لوس أنجلوس تايمز
خاص لـ «البيان»