نعيم مواطن فلسطيني لا يعرف من كواليس التحزبات شيئاً ويجهل أيضاً أبسط مقومات السياسة، لسان حاله يجسد واقع الشريحة العظمى من الشعب الرازح تحت ويلات القهر والتعذيب، وهمه الوحيد تأمين أساسيات حياة تقشفية لعائلته التي تعيش على أمل في الغيب،
كان واحداً من بين عشرات تزاحموا على أعتاب مركز اقتراع في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني التي أجريت في الخامس والعشرين من يناير المنصرم، وفازت فيها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بمقاعد غالبية المجلس. سألت ذلك المواطن البسيط: من ستنتخب؟ أجابني بعفوية سريعة: «حماس»، تابعت لماذا؟
فقال: لا أعرف، ولكن لندعهم يفعلون شيئاً فإما أن ينقذونا من هذه الدوامة المملة والمؤلمة ويعيدوا لنا حياة اعتدناها أو ننتهي!، وراح بعد ثوانٍ قليلة يرسم قناعته تلك على ورقة الاقتراع.
رغم سذاجة القناعة التي خلص إليها نعيم، إلا أنه حمل في ذهنه المتزاحم بهموم كبيرة، كما هو حال الغالبية العظمى من أبناء هذا الشعب، رسالة قوية ومعبرة مفادها إما أن ترتسم لنا ملامح البقاء أو نموت كرماء من دون خدوش أو تشوهات.
كثيرون يعلمون أن جهود الحكومات الفلسطينية التي تعاقبت في فترة ليست طويلة، كانت ولا تزال تتجه نحو تأمين الأصلح للوطن والمواطن، رغم أن البعيدين عن ممارسة الواقع الفلسطيني لا يرون ذلك، أو ربما كانوا لا يؤمنون به،
ولكن الأهم من كل ذلك هو «عصفور باليد»، لاسيما وأن أدوات الصيد التي تأتي بالعصفور لم تعد قريبة من أصحابها. تربعت حماس على سدة الحكم كما اشتهى نعيم وبقي الخناق، فإلى أين تتجه الأمور لا أحد يعلم،
ومن أين يأكل الشعب ويشرب، لا جواب سوى «لا أحد يموت جوعاً»، ولكن الجوع ليس ألم يوم أو يومين، بل هو داء يدمر أركان المجتمع ويضيف إلى الاحتلال والفقر جنوداً خفية تستهدف بقاء الأمة.
مئات الملايين من الدولارات كانت تعرف طريقها إلى مئات آلاف الموظفين البسطاء، ولكن معطيات الواقع تهدد وتتوعد آلاف الأسر، فمن يقي هؤلاء شر ما لا ينظرون بعيداً عن الكلمات التي لا تأتي باللقيمات، ناهيك عن احتياجات أخرى ملَّ الفلسطينيون الحلم بها.
الناظر إلى الواقع الفلسطيني بعين اللا انحياز واللا حزبية يعي تماماً أن «حماس» صاحبة التجربة الحديثة في اللعب على أحبال السياسة، لم تقوَ حتى الحفاظ على ما كان بين أيدي الفلسطينيين، فالذين ينتظرون منها ما هو أكثر لا أظنهم كثر، كيف لا وهي صاحبة اللاءات والشعارات التي دفع ثمنها الشعب الفلسطيني كثيراً ولا يزال، ولكنها وفي عتمة المساحة السياسية الضيقة تخلت عن بعضها وستتخلى عن المزيد لاحقاً.
لا أطيل في سرد مآسي كثيرة يعيشها أبناء القضية العادلة والغائبة والغارقة في بحر من الشبهات، أو عوائق وقفت وتقف في وجه المخلصين منهم متى وأين كانوا وهم كثر، فما بذله أسلاف وبناة الكيان الفلسطيني الأوائل لا يقدر بثمن، ولكن أنى لهم تحقيق ما يحلمون به في خضم الحلكة الطاغية من الضغوط القريبة والبعيدة، أرد هنا على المشككين.
وبالنسبة لحركة مقاومة ومعارضة وجدت نفسها فجأة في موقع المسؤولية، فلا أظنها تستطيع إكمال مسيرتها كما بدأت، إذ لا مفر من المرونة في سبيل مجاراة واقع لا يقدر الحقوق، وهو ما بدأ يظهر فعلاً، والذي يكشف وطنية وأمانة أبناء «فتح أبو عمار» في مسيرتهم النضالية، كيف لا و«حماس» تعد الفئة الأكثر تشدداً في فلسطين.
وخاتمة أقول لا مستقبل لمن لا يعيش الواقع، ولا مجال للأحلام على سرير من الأوهام، فإما الموت أو الحياة «ورحم الله أمرءاً عرف قدر نفسه»، وإلا فمن سيحقق لنعيم أحلامه وأمنياته الساذجة!.
hajanan@yahoo.com