تقول إحدى النظريات الحديثة في العلاقات الدولية ان الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض، وأنها تلجأ عادة لحل الخلافات فيما بينها ومع الغير بالطرق السلمية. وتعتبر هذه النظرية إحدى أهم المكونات الفلسفية لفكر الرئيس بوش وطاقمه الأمني،
وهي النظرية التي دفعته إلى المناداة بدعم التوجهات الديمقراطية في العالم، وتخصيص مبالغ سخية من المال لنشرها في الدول العربية والإسلامية التي لا تزال تعاني من غياب الديمقراطية، وتتزايد فيها العداوة للسياسة الأميركية الشرق أوسطية التي ما فتئت ترتكب الحماقة تلو الأخرى.
لقد تحالفت ظروف عدة وساهمت تطورات مختلفة في تسريع عملية تسييس الإسلام وتشجيع المنظمات الإسلامية الجديدة على تبني برامج متطرفة تدعو إلى ممارسة العنف ضد إسرائيل وأميركا والقوى الحليفة لهما في المنطقة العربية. ومن تلك التطورات، نجاح الثورة الإيرانية وإطاحتها بحكم الشاه في عام 1979، الحليف الأول لأميركا في منطقة الخليج الغنية بالثروة النفطية،
وقيام إسرائيل بغزو لبنان في العام 1982، والذي كان من تبعاته ميلاد حزب الله، وظهور حركة حماس، التي غضت إسرائيل الطرف عنها طويلا على أمل أن تساهم في إضعاف شعبية منظمة التحرير الفلسطينية حين كانت العدو الأكبر لإسرائيل.
لقد كانت السياسات التي اتبعتها أميركا وإسرائيل سببا في تحفيز ملايين المسلمين على التوجه نحو السياسة، ودفعت بالناشطين منهم نحو التطرف. إذ بينما قامت إسرائيل بتدمير سمعة أنظمة الحكم العربية العلمانية وكشف عوراتها في العام 1967، لجأت أميركا إلى الاستعانة بعدد من رجال الدين العرب، للمساعدة في تجنيد المجاهدين لمحاربة الإتحاد السوفييتي الذي اتهمته بالإلحاد في أفغانستان.
كما قامت أيضا بالانحياز الكامل لإسرائيل ودعم سياستها الاستيطانية وتزويدها بالسلاح الذي استخدم في قتل آلاف الفلسطينيين. من ناحية أخرى، وجد المجاهدون القدامى الذين ساهموا في هزيمة السوفييت، أنفسهم بعد العودة إلى بلادهم في وضع حرج، إذ لم يكن لدى غالبيتهم وظائف أو تعليم مناسب أو مصادر دخل تفي باحتياجاتهم الأساسية.
كانت خبرتهم الأهم تتلخص في قدراتهم على القتال في سبيل ما يؤمنون به من مبادئ دينية، وهذا دفعهم إلى تشكيل خلايا وتنظيمات سرية، أهمها منظمة القاعدة لمقاومة الوجود الأميركي في الدول الإسلامية، وتقويض أنظمة الحكم العربية المتحالفة مع أميركا والمتعاونة معها.
من ناحية أخرى، قامت أميركا في أوائل الثمانينات من القرن الماضي بتشجيع الرئيس العراقي صدام حسين على غزو إيران ودعمه عسكريا وإمداده بتكنولوجيا السلاح وبمعلومات استخباراتية مهمة تتعلق بمواقع القوات الإيرانية واستعداداتها الميدانية.
لكن صدام حسين قام في العام 1990 بغزو الكويت، مما دفع أميركا إلى حشد أكثر من نصف مليون جندي أجنبي وعربي وشن حرب شرسة ضده لتحرير الكويت. ولقد نتج عن تلك الحرب، تدمير قدرات العراق العسكرية، وقتل ما يزيد على ربع مليون من قواته، وفرض حصار عليه وتجويع شعبه.
كان من المتوقع أن تقوم القوات الأميركية بعد انتهاء العمليات العسكرية بالرحيل عن منطقة الخليج أسوة بغيرها من قوات أجنبية أخرى، إلا أنها لم تغادر دول الخليج العربية التي كانت قد تمركزت فيها. تبعا لذلك، أخذ بعض حلفاء الأمس ينظر إلى تلك القوات باعتبارها قوات احتلال تستهدف السيطرة على موارد الخليج النفطية،
وتعمل على تعزيز أمن إسرائيل، وتشكل تهديدا لإيران. ولقد تبع ذلك اتجاه كافة القوى القومية والإسلامية في المنطقة العربية عامة إلى معاداة أميركا، واعتبار تواجدها العسكري في مجالهم الحيوي عامل تهديد لأمنهم وتطلعاتهم في الحرية والعدالة والتقدم.
وبعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وجدت أميركا نفسها في حالة اضطراب وحيرة. فمن ناحية، كان من الصعب عليها الاعتراض على نتائج انتخابات نزيهة طالما ضغطت على الدول العربية من أجل ممارستها.
ومن ناحية أخرى، كان من الصعب قبول التعامل مع حكومة تتزعمها حماس التي تعتبر من وجهة النظر الأميركية منظمة إرهابية تهدد أمن إسرائيل وتمارس العنف. ولهذا اتجهت أميركا إلى رسم خطة سياسية لعزل حماس وحرمانها من الدعم المالي المطلوب لتسيير أمور الحكم،
حيث قامت السيدة رايس، وزيرة خارجية أميركا، بجولة في عدة دول أوروبية وعربية لحثها على وقف المعونات التي كانت تقدمها للسلطة الفلسطينية. إلا أنه بالرغم من اتفاق غالبية الدول الأوروبية مع أهداف تلك الخطة، فإن بعض الدول الأوروبية أعلنت أنها ستواصل تقديم المعونات الإنسانية للفلسطينيين.
أما موقف الدول العربية فيبدو أنه ضاق ذرعا بالحماقات التي دأبت أميركا وإسرائيل على ارتكابها، مما جعلها ترفض المطالب الأميركية، تعاطفا مع شعب فلسطين من ناحية، وخوفا من التطرف الذي يمتد كالإخطبوط في بلادها من ناحية ثانية.
وما أن اختتمت رايس جولتها حتى أعلنت الإدارة الأميركية أنها ستواصل تقديم الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني، لكنها لن تتعامل مع حماس إلا بعد أن تفي الأخيرة بشروط مماثلة لما فرضته أميركا على منظمة التحرير في الماضي.
وهذا يعني أن أميركا بدأت تدرك أن للعنجهية حدود، خاصة في ضوء استعداد إيران لمد يد العون لحماس، واتجاه النظام السوري إلى رفض التهديدات الأميركية والإسرائيلية، وإصرار إيران على مواصلة برنامجها النووي، وقيام حزب الله بالاستهزاء بوزيرة الخارجية الأميركية وتحدي مطالبها بتجريده من السلاح.
مما لا شك فيه أن إدارة بوش بدأت، وربما لأول مرة، تدرك مدى الورطة التي تعيشها الآن، إذ أن معالجة الوضع المتأزم في المنطقة العربية لم يعد يقتصر على حل القضية الفلسطينية وحدها. ان على أميركا، إذا رغبت تدارك الوضع قبل حدوث انفجار يدمر مصالحها،
ويغرق المنطقة بكاملها في بحر من العنف أن تضغط على إسرائيل للقبول بالشرعية الدولية، وأن تسحب قواتها من دول الخليج العربية، وأن تنهي احتلالها للعراق، وأن تخفف ضغوطها على سوريا وإيران...
وهذه قائمة مطالب طويلة وعويصة، قد تفسر الاستجابة لها على أنها هزيمة للمشروع الأميركي في العالم. فكيف ستتصرف أميركا... لا أحد يدري... لكن المنطقة مقبلة على تغيرات كبيرة وعميقة من الصعب التكهن بتبعاتها. وسنحاول في مقالات قادمة الحديث عن ثلاثة سيناريوهات محتملة للمستقبل القريب.
اكاديمي أميركي من أصل عربي