وردتني كثير من الردود على مقال يوم الجمعة الماضي الذي تناول قضية «الخبير» الأجنبي ونظرته الدونية لثقافتنا وتقاليدنا العربية والإسلامية.الكثير من هذه الردود ورد من الطلبة والطالبات، والتي أسعدتني كثيرا، ألا انها وفي نفس الوقت أحزنتني حد البكاء والغصة عندما ابتدأ الطلاب في الحديث عما يتعرضون له من هجمة شرسة منظمة لهز وزعزعة مرجعياتهم الثقافية والدينية.
فقد كان المقال بمثابة المعول الذي ضرب على وتر حساس في دواخلهم وفجر معاناتهم الصامتة. يقول لي بعض الطلاب ان ما قاله هذا «الخبير» في أوراقه لا يساوي شيئا مقابل ما يقال لنا في المحاضرات، سواء من قبل هذا الشخص أو غيره من الأجانب من ذوي العقلية الاستعمارية والمحكومين بنظرة تفوق العنصر الأبيض العنصرية (وايت سوبرميسي).
«خبيرنا» الذي كتبت عنه في الأسبوع الماضي، عمل على استغلال السياق العام لفكرة المساق الذي يدرس هل يدعو التلاميذ ان يتحلوا بالفكر الناقد وأن ينتقدوا، كما قال الطلاب، حتى مرجعيتهم الدينية المتمثلة في القرآن الكريم، لأنه وكما يصفه ذاك المدرس، ليس بكامل أو شامل وبأنه كنص يجب أن يتعرض للنقد.
هناك الكثير من الأمثلة التي ذكرها الطلاب، ولكنني لن أركز عليها هنا لأن هدفي ليس الإثارة بقدر ما هو توضيح وفهم السياق الفكري والثقافي الذي يتحرك هؤلاء المستعمرون من خلاله، ولأن مواجهتهم ودحرهم لن يتحققا إلا بفهم خلفيتهم الثقافية العنصرية الاستعمارية، التي من الواضح أنها لا تطيق ولا تستطيع أن تتحمل الاختلاف والتعدد الثقافي،
حتى وأن كانوا يستخدمونه كشعارات لتحقيق مصالحهم في الدول الأخرى. إن ما يمارسه هؤلاء الأجانب ما هو إلا عنصرية واضحة، ولكنها ليست بتلك العنصرية التقليدية القائمة على العرق واللون، بل هي عنصرية ثقافية قائمة على إيمانهم بتفوقهم الثقافي، وأن صح القول على شيفونيتهم (مغالاتهم في الاعتقاد بتفوق عرقهم الأبيض وثقافتهم الاستعمارية)، أو نستطيع أن نقول، ان ما يمارسه هؤلاء المدرسون ما هو إلا «عنف ثقافي» إن صح التعبير.
وأقصد هنا بالعنف الثقافي هو الجهد الذي يبذل من قبل جماعة ما لإزالة ثقافة جماعة أخرى أو إحلالها بما يسمى بـ «الثقافة المهيمنة» والتي هي في هذا السياق الثقافة الغربية. فمثلما طلب أيام العبودية والاستعمار من الأفارقة والعرب، أو السكان الأصليين لأي بلد تم استعماره بتغيير ثقافتهم وتبني وتشرب ثقافة المستعمر،
يمارس هؤلاء الأساتذة اليوم نفس أساليب أجدادهم، والتي تظهر في بعض تجلياتها في تعاملهم مع طلابنا المواطنين، ولكن بآليات مختلفة وتحت مظلة التعليم و«الخبرة» بدلا من مظلة الاستعمار. فمنذ العهود الاستعمارية القديمة.
وكما تفيد كثير من الأدبيات في المجال، كانت هناك دوما نزعة قوية عند المُستعمِر لتغريب أو«أوربة»، إن صح التعبير، النظم التعليمية للمستعمر وحتى بث روح المسيحية فيها. وذلك من أجل ترسيخ،
كيفية احتقار، والنظر بسلبية من قبل المستعمر لأصوله وثقافته. وهذا ما ينعكس اليوم مثلا في استخدام تلك الشعوب للأسماء المسيحية، لأن هذه هي إحدى الوسائل التي استخدمت ضدها من أجل إدخالها في منظومة المستعمر، وحتى يتم لهم القبول و«الأنسنة» في المجتمع الذي هو في الأساس مجتمعهم»!
وما يمارسه هؤلاء المدرسون عندنا اليوم ما هو إلا امتداد لما استخدمه أجدادهم مع الهنود الحمر في أميركا أو الأبروجنيز في أستراليا، أو الأفارقة الذين استخدموا كعبيد، وحتى مع بعض الشعوب العربية. فعلى سبيل المثال، وكما يقول أحد الناشطين في مجال مكافحة العنصرية، يتم تعليم الأفارقة والغرس في ذاكرتهم أن لون جسدهم هو علامة للانحطاط والفساد،
وأن ثقافتهم الإفريقية علامة للدونية، وهي بالتالي معيبة لهم ويجب عليهم التخلص منها وتبني ثقافة المستعمر (الثقافة الأوروبية). ويضيف، في العنف الثقافي الذي كان يمارس على السكان الأصليين والأفارقة محاولات مستمرة لجعلهم «غير أفارقه»، أو جعلهم شيئا آخر غير ذواتهم، وذلك من خلال ضرب قلب مؤسستهم الجمعية وكل الأبعاد التي قد تجمعهم في إطار ثقافي واحد يوحدهم ويؤلف بينهم كجماعة عرقية،
فلقد كانوا ممنوعين من استخدام لغتهم، أو التحاور مع بعضهم البعض باستخدام مفردات لغتهم الأم، كما كانوا ممنوعين من ممارسة معتقداتهم الدينية أو حتى الاستمتاع بعزف آلاتهم الموسيقية أو سماع مقطوعاتهم الموسيقية والغنائية.
وها هو التاريخ يعيد نفسه اليوم، وإن كان بشكل مختلف، في ظل بعض الممارسات التي يقوم بها بعض المدرسين الأجانب في مؤسساتنا التعليمية، ولكن في سياق آخر ليس بمستعمر، بل حر ويتمتع بكل الاستقلالية. وهذه الممارسات تتم بآليات وبطرق ليست مختلفة كثيرا عما سبق الإشارة إليه، اللهم أن موضوع العنف الثقافي مختلف هنا.
فبدل مهاجمة لون الأفارقة الأسود أو الطقوس الثقافية الهندية، أصبح موضوع العنف هنا هو الثقافة العربية الإسلامية، حيث يبدو أن ما يحدث ما هو إلا عملية تفكيك أو تمزيق ثقافي لا تخلو من قصدية. فإذا كانت الثقافة هي بمثابة اللاصق الذي يلصق الناس ببعضها، فمن الطبيعي أن مهاجمتها ومحاولات تفكيكها ستؤدي إلي نتيجة واحدة، ألا وهي تفريق وتمزيق الجماعة الواحدة والإخلال بتماسكها ووحدتها،
وبالتالي إحكام السيطرة عليها وتوجيهها الوجهة المطلوبة. قد قال أهلنا يوما كشيء من التعبير عن الاستقلالية «بفلوسك محد يدوسك»، ولكن، وللأسف الشديد، انقلبت الآية، فنحن نهان اليوم بفلوسنا.
جامعة الإمارات