عندما قدم الأردن مبادرته لاستضافة مؤتمر المرجعيات الدينية العراقية والذي يسمى الآن مؤتمر الوفاق العراقي في عمان، لم تكن هذه المبادرة من فراغ. لقد أدركت القيادة الهاشمية مبكرا وقبل كل القوى الدولية والإقليمية المرتبطة بالوضع العراقي أن السبب الأساسي في العنف والفوضى التي تسود العراق حاليا، هو التباعد الطائفي والذي تذكيه قوى الإرهاب والتكفير من جهة، والقوى الإقليمية التي لا تريد العراق موحدا ومستقلا من جهة أخرى.

يعرف الأردن وقيادته الهاشمية الواعية لمخاطر الفتنة الداخلية في العراق، أن رهان السلم الأهلي سوف يعتمد على مدى تجسير الهوة المصطنعة بين المكونات الدينية المختلفة للشعب العراقي وخاصة بين السنة والشيعة، وهي الهوة التي تزايدت في الآونة الأخيرة بفعل التطرف الفكري والسياسي والبحث عن المكاسب والسلطة من خلال بوابة الفتنة.

ولهذا فإن مبادرة الأردن الحريص على وحدة واستقرار الشعب والدولة في العراق، هي مبادرة مبنية على تنسيق جهود الحوار بين المرجعيات الدينية السنية والشيعية التي تملك ناصية القرار في العراق الآن في ظل تراجع تأثير القوى السياسية التقليدية.

الأردن الهاشمي هو الأكثر قربا من الوضع العراقي والأكثر حرصا على تيسير سبل الحوار السني-الشيعي، وباستثناء غلاة المتطرفين من الجهتين الذين يرفضون مبادرات التسوية، فإن جميع قوى الشعب العراقي تتفهم وتقدر الحرص الأردني على الوحدة الداخلية، ولهذا يأتي الحرص الكبير على المشاركة والذي أبدته غالبية القيادات العراقية في هذا الجهد البناء.

ولكن الكلمة الفاصلة ستكون للإرادة السياسية العراقية، فالأردن يمكن أن يساهم في لم الشمل وبناء منبر للحوار والتفاهم، ولكن القرار في النهاية هو للشعب العراقي وقياداته السياسية ومرجعياته الدينية.

والمؤمل أن يرتقي القادة العراقيون إلى مستوى التحديات التي تعصف بهذا البلد العظيم وربما في واحدة من أخطر فترات تاريخه، فالعراق الذي صمد أمام محاولات الغزو الخارجي، يواجه اليوم أشد المخططات خطورة في تفكيك بنيته من خلال النفخ في نار الطائفية، وهذا ما يتطلب قيادات دينية وسياسية بحجم المسؤولية.

ولا بد من التركيز أيضا على المحور الديني لهذا المؤتمر، والذي سوف يثبت بما لا يدع مجالا للشك، عدم وجود سند شرعي وتاريخي للفرقة بين السنة والشيعة، وسيعمل على إبطال التأثير المدمر لبعض الفتاوى السلبية والتي تساهم في إذكاء الخلاف السني-الشيعي، إما نتيجة لمخطط مدروس لتفكيك الوحدة الشعبية العراقية وضرب الوحدة الإسلامية، أو نتيجة لعقل جاهل وقاصر عن إدراك عظمة الوحدة بين المذاهب الإسلامية.

الأردن بقيادته الهاشمية سيبقى سندا للشعب العراقي بكل مكوناته الدينية والسياسية، وهذا المؤتمر هو محاولة أردنية-عربية ناضجة لإشعال شمعة في ظلام الفتنة الذي يخيم على بلاد الرافدين، وهو خطوة في الاتجاه الصحيح تثبت أن بوصلة السياسة الأردنية تجاه العراق هي الأكثر حرصا على مصالح هذا الشعب الشقيق ومستقبله وأحلامه في الاستقرار والسلم.