يوم الثلاثاء من الأسبوع الفائت المصادف للرابع من الشهر الحالي قدت سيارتي لأشق بها شارع « المدارس » في منطقة الرميثية فسرني أن أرى خيام المرشحين منصوبة، يختلط بها الرجال والنساء .

وهم بين متهيئ لدخول المقر الانتخابي للإدلاء بصوته في الانتخابات التكميلية للمجلس البلدي، وبين من انتهى من أداء ذلك الواجب. وما يغتبط له المرء هو ذلك الجو الراقي الذي سارت بها تلك العملية، التي تشترك بها نساء الكويت للمرة الأولى، إذ بدا المنظر عادياً بالنسبة لجميع المواطنين الذين ألفوا وجود المرأة في كل مجالات الحياة بالذات في مؤسسات الدولة.

وهو منظر يسقط حجة الجماعات الدينية والقبلية المتزمتة التي طالما وقفت ضد نيل المرأة الكويتية لحقوقها السياسية. ولعل المفارقة المرّة أن تلك القوى هي أول من قطف ثمار تلك المشاركة!!

لم يكن أحد يتوقع أن تفوز المرأة الكويتية في هذه الانتخابات، بل غاية ما كان يصبو إليه جميع من ناضلوا سنوات طوالاً في سبيل إقرار حقوقها هو أن تكون مشاركتها خطوة في طريق طويلة نحو مشاركة حقيقية وفاعلة.

أما لماذا لم يتوقع هؤلاء فوزها من المحاولة الأولى، ففضلاً عن نضارة التجربة والإرث الذكوري للمجتمع العربي ونظامه الأبوي، الذي لا ينكره أي باحث منصف، فإن المنافسة الانتخابية لم تكن متكافئة مطلقاً، ولم تكن الفرص موزعة على قدم المساواة.

إذ نزل بتلك الدائرة ثمانية مرشحين، كان من ضمنهم سيدتان (المهندسة جنان بوشهري والدكتورة خالدة الخضر). ولفهم ما جرى فلا بد من الإشارة إلى التركيبة الاجتماعية للدائرة والبالغ عدد المسجلين بها 28 ألفاً من الرجال والنساء. ونحن نستخدم هنا المسميات والتصنيفات الاجتماعية الدارجة وإن كنا نمقتها أشد المقت.

فالدائرة تتكون من قبيلة العوازم (8 آلاف ناخب) وكان لهم مرشح واحد وهو يوسف الصويلح. والشيعة (9 آلاف ناخب) وكان لهم ستة مرشحين من بينهم السيدتان، إضافة إلى الحضر والكنادرة (أبناء بر فارس من السنة) والأقليات (11 ألف ناخب) ويمثلهم مرشح واحد وهو السيد محمد الكندري.

أما وجه عدم المساواة في تلك المنافسة الانتخابية فإنه يكمن في قيام قبيلة العوازم بإجراء انتخابات فرعية فاز بها يوسف الصويلح الذي أصبح فيما بعد مرشحاً وحيداً للقبيلة انصبت له أصوات رجال القبيلة ونساؤها.

والانتخابات الفرعية يحرمها القانون ومع ذلك فهي تجري على مرأى ومسمع السلطة دون أن تحرك ساكناً. وهذا ما يجعل حديثها حول الإصلاح لا يمكن أخذه على محمل الجد!! لذلك لم يكن مستغرباً أن يحصل الصويلح على 5436 صوتاً مقابل 1807 صوتاً حصلت عليها المهندسة جنان بوشهري، التي احتلت المركز الثاني!!

والواقع أن نزول مرشح فائز بانتخابات فرعية لقبيلة لها ثقل كبير في المنطقة قد خلق جواً نفسياً محبطاً عند غالبية الناخبين الآخرين، إذ رأى هؤلاء أن نتائج الانتخابات قد حسمت سلفاً.

وما زاد هذا الشعور ما أشيع عن تفاهم بين الكنادرة وبين العوازم على أن يدعم الكنادرة مرشح العوازم في هذه الانتخابات مقابل أن يدعم هؤلاء الكنادرة في انتخابات مجلس الأمة القادمة والتي ستجرى في العام 2007، وهي انتخابات المنافسة بها أشرس كثيراً من انتخابات المجلس البلدي.

ويبدو أن غالبية السنة ومنهم الكنادرة لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع وتركوا الساحة لمرشح قبيلة العوازم. وهذا يظهر من عدم تلقي المرشح محمد الكندري لأي دعم من جماعته، إذ لم يحصل إلا على 282 صوتاً ليأتي في المرتبة قبل الأخيرة.

وهكذا جاء الإقبال ضعيفاً على تلك الانتخابات، فلم تزد نسبة المقترعين على 38 % من جملة المسجلين!! وهذه نسبة متدنية حتى بمقاييس الانتخابات البلدية!

أما أن تكون تلك الانتخابات التي شاركت بها المرأة الكويتية لأول مرة خطوة على طريق طويلة، فهذا ما تحقق فعلاً بكل المقاييس. صحيح أن نسبة مشاركة المرأة كانت أقل من المتوقع، ذلك أن المشاركات كن ثلث من يحق لهن الاقتراع (4741 من أصل 16388)، وصحيح أيضاً أن أصواتهن توزعت على أساس قبلي وطائفي.

ولم تذهب لإسناد بنات جنسهن، إذ حصل الصويلح على 2404 صوتاً نسائياً، مقابل 895 صوتاً من أصوات النساء كانت من نصيب جنان بوشهري. بيد أن تلك الأرقام على أهميتها لا تستطيع أن تعكس بحق ما جرى على أرض الواقع من تأثير.

إذ حسبُ هذه التجربة نجاحاً أنها كسرت حاجز الخوف عند المرأة في خوض غمار المعركة الانتخابية، وهي معركة شرسة لا يقوى على خوضها الكثير من الرجال. ثم إنها جعلت مشاركة المرأة في العملية السياسية عملية طبيعية شأن غيرها من النشاطات.

ولعل ما يثلج الصدر في هذا المقام هو أن عدد الرجال الذين صوتوا لجنان بوشهري يفوق عدد النساء (912 مقابل 895). وهذا منحى طيب في المجتمع يمكن تطويره مع العمل على زيادة وعي المرأة.

ولعل أول غيث مشاركة المرأة في الانتخابات المؤخرة هو ترشيح المهندسة أشواق المضف نفسها لانتخابات جمعية المهندسين، وإقامتها مقراً انتخابياً - على غير العادة - في الهواء الطلق، واستقبالها للنساء والرجال على حد سواء.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com