جبهة طويلة عريضة وقوى دولية وازنة، تصطف وتحتشد، لتعلن حرب حصار ومقاطعة وتجويع، على الحكومة الفلسطينية. وكأن هذه الأخيرة قوة ضاربة تهدد السلم العالمي. أو كأنها تمتلك أسلحة دمار وتقف عاصية بوجه المجتمع الدولي.
أو كأنها هي قوة الاحتلال وإسرائيل هي المغلوبة على أمرها، لكن في عالم السياسة، خاصة في هذا الزمان، المختلة فيه التوازنات والقيم والمعايير، ناهيك بالضوابط، ليس ذلك بمستغرب.
خاصة إذا كان المطلوب تركيع الشعب الفلسطيني مع قيادته وإجباره على رفع الأعلام البيضاء خدمة وإكراماً لإسرائيل وخططها، التي تقدم نموذجاً يحتذى في «الديمقراطية والسلم والالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية»!! فذلك مفهوم ليس بجديد.
المستغرب وغير المفهوم أن تنضم الأمم المتحدة إلى جوقة المحاصرين والمقاطعين، بزعم أن الحكومة الفلسطينية ترأسها حركة «حماس». ولا يحمل ذلك على الدهشة والخيبة فقط، بل هو ينطوي على مؤشر جديد بأن المنظمة الدولية تمعن في تعريض صورتها للتآكل وصدقيتها للنخر.
والأخطر أنها تبدو من خلال هذا الانحياز ـ وهو كذلك مهما جرى تلميعه وتسويغه ـ وكأنها تقوم بتسخير موقعها، وبالتنازل عن دورها، لصالح سياسات ومواقف لا تخدم السلم ولا العدالة في العالم. وبالتحديد في منطقتنا وقضيتها المركزية في فلسطين، التي عانت وتحمّلت ما لا يحتمل من الظلم والانتهاكات وكوابيس الاحتلال الإسرائيلي.
الأمم المتحدة أوعزت لموظفيها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتقليص علاقاتهم مع الحكومة هناك، وحصرها ب«الاتصالات العملية» المتعلقة بالمساعدات الإنسانية». كما نصحتهم «بتجنّب» اللقاء مع حماس.
الناطق باسم الأمين العام زعم بأن «الموقف تغيّر منذ انتخاب حماس للحكومة»، الأمر الذي بات يقتضي على ممثلي الأمم المتحدة طلب «الإذن» قبل الاتصال بالحكومة. وحتى تكون الرسالة واضحة، قال إن مثل هذا الإجراء باقٍ «لغاية تلبية الشروط الثلاثة» المعروفة وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل، من جانب حماس.
أليس هذا هو الموقف نفسه لإسرائيل وواشنطن؟ ثم أليس ذلك متناقضاً مع تعليق الأمين العام، عنان، الذي سبق وجاء فيه بأنه «لا يجب معاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي؟
كيف يستقيم التوفيق بين هذا التصريح وبين إعلان شبه مقاطعة كاملة مع الحكومة الفلسطينية. والأسوأ من ذلك أن انضمام الأمم المتحدة إلى قافلة المهاجمين .
يأتي في وقت ترتفع فيه وتيرة العدوان بكل الأسلحة على قطاع غزة ـ وهناك حديث عن احتمال القيام بهجوم بري واسع على غزة ـ، كما تتواصل عمليات الاغتيال في الضفة وغيرها والتي لم يسلم حتى الصغار والأطفال من نيرانها.
لإسرائيل ولإدارة الرئيس بوش حساباتهما. وازدواجية المعايير هي القاعدة المعمول بها في التعامل مع منطقتنا عموماً والقضية الفلسطينية خصوصاً. لكن المنظمة الدولية، المفترض فيها أن تكون المرجع والحكم في النزاعات، كان حريّا بها أن لا تعمل بنفس هذه المعايير، وأن لا تجاري مثل هذه السياسات التي ينضح منها الخبث والظلم؟
الأمم المتحدة وجدت لتكون صمام أمان. إذا عجزت أن تنتصر للقضايا العادلة، فعلى الأقل مطلوب منها أن لا تنحاز ضدها وأن لا تشكل الغطاء لمزاعم تتلطّى خلفها نوايا وسياسات ملتوية ومعروفة مقاصدها.
حماس ذريعة وشرط اعترافها بإسرائيل تعجيز، بغض النظر عن الخلفية والايديولوجية. جاءت بالانتخاب والأفضل، كما قال الرئيس كارتر، منحها الفرصة لتحكم، وكان على الأمم المتحدة أن تتصرف على هذا الأساس.