يتجاهل كثير من صناع القرار العربي حقيقة أن إسرائيل لا تنخرط في مفاوضات سلام، إلا تحت ضغوطات أمنية ووجودية، وعندما تكتشف أن بمقدورها الحصول على ما تريد، بالجلوس حول طاولة التفاوض، دون أن تتكبد خسائر تفرضها ساحات القتال.
ومنذ بداية الصراع العربي الإسرائيلي ونكبة اغتصاب فلسطين، لم تتخل إسرائيل عن منهجها العنصري في إدارة الصراع، سواء في ميادين المعارك أو في ساحة الحل الدبلوماسي.
حيث يتم تغييب مقولة الحقوق المشروعة، ويحل محلها واقع القوى المنظورة التي تفرض على الأرض موازين مختلة لصالح الغاصب والمحتل.
وبدلا من الاستغراق في تفاصيل معروفة، أو استرجاع لمشاهد الماضي القريب، يكفي أن نتابع ما يجري في قطاع غزة والضفة الغربية من ممارسات تجسد أبشع صور العنصرية، وتضع إسرائيل في موضع «عصابة من قطاع الطرق».
وليس كدولة تنتمي للقرن الحادي والعشرين، بل يبدو في مواقف كثيرة أن بعض «عصابات قطاع الطرق» أرقى في سلوكها من هذا السلوك الهمجي الذي يمارسه الكيان الصهيوني.
خذ مثلا، وقائع الحصار العسكري الذي فرضه الإرهابي والسفاح مجرم الحرب أرييل شارون على الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، واقتحام قواته لمقر المقاطعة أكثر من مرة، وتهديده علنا بتصفيته، بعد أن منعه من مجرد التحرك بحرية داخل مناطق السلطة الوطنية، وحظر عليه السفر إلى بيروت للمشاركة في القمة العربية.
ولم يترك له سوى مخاطبة القادة العرب عبر الفضائيات، ووجد شارون العون الفائض عن الحاجة من الإدارة الأميركية، التي تبارى أركانها في تقديم المبررات لموجات العدوان الشاروني على الشعب الفلسطيني، وكان العنوان الأبرز لهذا النهج هو أن عرفات يرعى «الإرهاب».
ويقف وراء الانتفاضة، وان السلام الإسرائيلي بحاجة إلى «شريك» فلسطيني غائب، وللأسف شجعت سطوة هذه الهجمة البعض على توجيه سهام النقد المسموم إلى الانتفاضة، واعتبارها خطيئة، تستوجب الاستتابة على أعتاب راعي السلام.
غايته، انقضت خمسة أعوام، دون تقدم حقيقي، أو تطبيق لأبسط الاتفاقيات، سواء «واي ريفر» أو توصيات لجنة السيناتور جورج ميتشيل، أو تفاهمات مدير ال«سي أي ايه» السابق تينيت، أو حتى خريطة الطريق، لان كلها كانت ممهورة بمداد صهيوني عنصري، يضع الدفاع الفلسطيني عن الذات في خانة «الإرهاب» .
ويمدح العدوان الإسرائيلي، ويعتبره عملا مشروعا، أو عندما يصعب الأمر يمتنع عن الإدانة، أو اتخاذ موقف فعلى يردع المعتدي.
الآن، نعود جميعاً إلى نقطة البداية، حيث المراوغة والتضليل الإسرائيلي هما سيدا الموقف، وطبعا مع تأييد أميركي وأوروبي صارخ، وموالاة عربية مضمرة أحياناً.
ومكايدة حزبية من بعض الفلسطينيين، الذين أوجعهم فوز حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، ليصبح مؤشر المرحلة كما يلي: اما أن تعترف حماس بشرعية إسرائيل، وتتخلى عن نهج المقاومة، وتفكك كل الفصائل المسلحة، أو تلقى نفس مصير عرفات: شهيداً أو أسيراً.
لهذا لم يكن من المثير للدهشة ما صرح به محمد دحلان المسؤول الأمني السابق في السلطة والذي قاد تمردا ضد عرفات، حيث توقع أن تنقضي أعوام حماس في الحكم دون تفاوض أو مقاومة.
وهى محصلة ليس لأزمة حماس بل هي تلخيص لأزمة الواقع العربي، الذي تسعى حماس وحزب الله وغيرهم إلى تجاوزه، في ظل انكشاف واضح ودون غطاء إقليمي أو إسناد دولي.
لكن يقلل من كآبة هذا المشهد، أن أعوام الانتفاضة لم تذهب سدى، بل أحدثت تغيرا جذريا، وأسقطت من الذهنية الإسرائيلية وهم إسرائيل الكبرى، حتى وان تضخم النزوع عن الفصل العنصري، لأنه سيفضح آخر قلاع العنصرية في عالمنا.
نعم.. إسرائيل عنصرية من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، ولمن يخامره الشك، أن يراجع السلوك اليومي للإسرائيلي العادي وللجندي، أو أن يقرأ معطيات آخر استطلاعات الرأي، حيث يرفض نحو 70 في المئة من الإسرائيليين مجرد العيش في منزل واحد مع الفلسطيني.
هل بعد ذلك هناك مجال للحديث عن تطبيع أو سلام أو جوار مع العنصريين الإسرائيليين.