شكل انتهاء حرب يونيو عام 1967 والانتصار العسكري الذي حققته إسرائيل على الدول العربية مفصلاً هاماً ونوعياً للعلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية تجسد بتطور هذه العلاقات إلى تحالف استراتيجي بين البلدين، الأمر الذي مكن الدولة العبرية بتحقيق مكاسب استراتيجية وسياسية في صراعها الطويل مع العالم العربي والشعب الفلسطيني لحسم الصراع حول أرض فلسطين التاريخية لصالحها.

وكان الطرف الأبرز في تفعيل وتطوير وتمتين هذه العلاقات الاستثنائية في العلاقات الدولية هو اللوبي الصهيوني في واشنطن الذي نجح بامتياز في تحويل هذه العلاقات إلى مسألة مركزية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

الأمر الذي أدى إلى تمكين إسرائيل من الحصول على دعم أميركي غير محدود من جهة، وإلى إيجاد حالة من الإحباط والفشل والتخبط في العالمين العربي والإسلامي.

والسؤال الذي كان ولا يزال يطرح نفسه هو: ما الذي جعل ويجعل الولايات المتحدة على استعداد أن تقيم علاقات استثنائية مع إسرائيل دونما الخوف على مصالحها وأمنها ومصالح وأمن العديد من حلفائها في العالم العربي؟

لقد كان مجمل التحرك السياسي والعسكري للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط يعزى إلى طبيعة وديناميكية السياسة الداخلية الأميركية، وبخاصة إلى نشاط جماعات الضغط الصهيونية أو «اللوبي الصهيوني».

فقد نجحت هذه الجماعات في حرف اتجاه السياسة الخارجية الأميركية وجعلها تسير في اتجاهات تحقق مصالح إسرائيل الاستراتيجية في المنطقة، في الوقت الذي فشلت فيه أية جهة أخرى في أن تجعل السياسة الخارجية لواشنطن تجنح بعيداً عن مقتضيات المصلحة القومية الأميركية.

وبالتالي نجحت جماعات الضغط الصهيونية في إقناع الجزء الأكبر من الشعب الأميركي بأن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل متطابقة في جوهرها.

وهذا الأمر تجلى بعد حرب اكتوبر عام 1973 عندما أغدقت الولايات المتحدة على إسرائيل قدراً هائلاً من الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي تقزم أمامه كل الدعم الذي قدمته واشنطن لأي دولة أخرى في العالم، لتصبح إسرائيل أكبر متلق على الإطلاق للدعم والمعونات الأميركية السنوية.

وقد تجاوز إجمالي المعونات الأميركية المباشرة لإسرائيل منذ الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2003 مبلغ 140 مليار دولار، ولا تزال تتلقى معونة أميركية سنوية تقدر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار، أو ما يعادل خمس ميزانية العون الخارجي الأميركي ومبلغ 500 دولار للفرد الإسرائيلي. إضافة إلى المليارات من الدولارات على شكل قروض مريحة وبفوائد منخفضة.

علاوة على ذلك، نجحت إسرائيل وجماعات الضغط الصهيونية في إقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة بعدم تقديم مساعدات من أي نوع للدول العربية ومنع بيع الأسلحة المتطورة للدول العربية خاصة الخليجية، كما حصل مراراً مع المملكة العربية السعودية بالرغم من وجود علاقات مميزة مع الولايات المتحدة.

كما في زمن الحرب فإن الولايات المتحدة لا تتلكأ أبداً في نصرة إسرائيل في زمن السلم. فواشنطن دعمت إسرائيل دبلوماسياً في جميع المحافل الدولية.

واستخدمت حق النقض «الفيتو» ضد أكثر من 32 قراراً من قرارات مجلس الأمن الدولي لأنها اعتبرتها منافية لمصلحة إسرائيل. كما نجحت واشنطن في حماية ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية عن طريق منع الوكالة الدولية للطاقة من وضع هذه الترسانة على جدول أعمالها.

من جهة أخرى، تدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر وعميق في كل المفاوضات المباشرة بين إسرائيل وبعض الدول العربية، كما حدث في مفاوضات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر والمفاوضات المباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين والتي أدت إلى اتفاقات أوسلو.

وكان التدخل الأميركي دائماً يصب في مصلحة إسرائيل بالرغم من أنها تمثل الطرف الأقوى في كل المفاوضات، وقد تجسد هذا الأمر بوضوح في مفاوضات كامب ديفيد 2 عام 2000 بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وكأن الولايات المتحدة ارتأت أن يقوم دورها التقليدي كمحام للدفاع عن المصالح الإسرائيلية في الشرق الأوسط وإن تأتى هذا على حساب وحقوق الشعوب الأخرى في المنطقة ذاتها.

وبعد الهجمات الإرهابية في سبتمبر عام 2001 في نيويورك وواشنطن نجحت إسرائيل وجماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة في استثمار هذه الهجمات ودفع الرئيس بوش إلى احتلال العراق ومن ثم تهديد سوريا وإيران عسكرياً واقتصادياً.

فآرييل شارون طالب واشنطن بعد احتلال العراق عام 2003 باستهداف دمشق وطهران، كما طالب أيضاً أعضاء بارزون في اللوبي أمثال وولفوويتز وريتشارد بيرل وغيرهم من اليمين المتشدد بضرورة ضرب سوريا وإيران.

والسبب من وراء هذه المطالب يكمن في ضرورة أن تتعامل واشنطن بقوة مع كل من يهدد أمن إسرائيل، في الوقت الذي يتحتم على الولايات المتحدة أن تقدم التضحيات تلو التضحيات وتقاتل وتواجه أزمات اقتصادية لتتمكن إسرائيل من إطلاق يدها بحرية كاملة ضد الشعب الفلسطيني.

لقد اعترفت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قبل أيام قليلة في لندن أن الولايات المتحدة ارتكبت ألاف الأخطاء التكتيكية في حربها على العراق، وهذا يعكس نصف الحقيقة.

أما النصف الآخر من الحقيقة يكتمل إذا اعترفت رايس أن الولايات المتحدة الأميركية ارتكبت أيضاً آلاف الأخطاء الاستراتيجية ابتداء من فلسطين وانتهاء في العراق.

فرايس والجميع في واشنطن يدركون أن الولايات المتحدة حاملة وحامية راية حقوق الإنسان والديمقراطية والعدل في منطقة الشرق الأوسط الصغير أو الكبير ترتكب أخطاء جسيمة في استمرار الاحتلال في فلسطين والعراق.

وأن توجيه أي ضربة ضد سوريا وإيران سيزيد من هذه الأخطاء لتصبح بالملايين. إن كارثتي فلسطين والعراق والستين سنة من السياسات الأميركية الخاطئة في الشرق الأوسط .

كما قالت رايس عند توليها منصب وزيرة الخارجية، وآلاف الأخطاء التكتيكية في العراق تستحق المراجعة والتأمل والدراسة الموضوعية من قبل صناع القرارات السياسية في واشنطن حتى يمكن تجنب المزيد من الكوارث في منطقة تعاني أصلاً عدم الاستقرار وضعفا في التنمية وافتقارا للحريات المدنية والسياسية.

وأفضل طريقة للبدء في إعادة النظر للسياسات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط تبدأ في مراجعة المواقف الأميركية من قبل الساسة الأميركيين تجاه فلسطين والعراق خاصة بعد الانتخابات الحرة والنزيهة التي شهدتها الحالتان.

إن أمن واستقرار إسرائيل والحفاظ على المصالح الأميركية تتحقق في استقلالية القرار الأميركي من الضغوطات التي تمارسها إسرائيل واللوبي الداعم لها في واشنطن لأن استمرار الظلم والاضطهاد والاحتلال في منطقة الشرق الأوسط سيخلق التطرف والكراهية وهذا بدوره لن يكون في مصلحة أي طرف سواء كان في داخل المنطقة أو خارجها.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com