الإجابة عن هذا السؤال ستكون (نعم) سيتعاون المجتمع الدولي مع حكومة حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي سيطرت على أغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني في الانتخابات التي جرت في الشهر الأول من العام الحالي.
بل ان التعاون مع حركة «حماس» واطراف المجتمع الدولي قد بدأ بالفعل مع الاعتراف بشرعية الانتخابات البرلمانية في الأراضي الفلسطينية.
وبالتالي الموافقة على التعامل مع نتائجها. وبصرف النظر عن رغبات بعض القوى الدولية أو الإقليمية، إلا أن «حماس» حققت انتصاراتها بشكل ديمقراطي، لدرجة أن المراقبين الدوليين لم يسجلوا آية مخالفة يمكن أن تثير أى انتقادات لشرعية هذه الانتخابات.
كما أن الجهات الرافضة للتعامل مع حركة حماس نفسها لم تطعن في نزاهة الانتخابات ولم تقل انها مزورة، أيضا الفصيل المنافس لحماس في الانتخابات وهو منظمة فتح، لم يصرح أي أحد فيه ان الانتخابات ليست نزيهة.
وهذا كله لا يعني فقط أن حماس ممثل شرعي وقانوني للشعب الفلسطيني بعد هذه الانتخابات، بل يعني أيضا أنه ليس من الصحيح ولا من الديمقراطية أن يرفض أحد التعامل لحماس.
ولا حتى بحجة أنها لا تعترف بإسرائيل، طالما أننا جميعا في المجتمع الدولي ارتضينا الحوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين من أجل السلام، فعلينا أن نزيل العقبات من أجل هذا الحوار، والقانون الدولي لا يشترط الاعتراف بالآخر من أجل الحوار معه.
وقد حرصت روسيا منذ البداية على اقامة صلات مع القوى السياسية الفلسطينية الجديدة التي تولت مقاليد السلطة، ودعا الرئيس الروسي بوتين قادة «حماس» لزيارة موسكو، مؤكدا على احترام الكرملين لاختيار الشعب الفلسطيني، وعزمه على التعاون مع الحكومة الجديدة نحو إحلال الاستقرار في المنطقة.
وتسوية الأزمة الشرق أوسطية، وموسكو باختيارها لهذا النهج تعلم جيدا أن المجتمع الدولي كله آجلا أم عاجلا سيجد نفسه مضطرا للتعامل مع حركة حماس كممثل شرعي وخيار ديمقراطي للفلسطينيين.
وخلال لقائه مع الصحفيين فى موسكو أعلن خالد مشعل رئيس المكتب السياسى لحركة «حماس» تقديره لمواقف روسيا، ولقرار الرئيس بوتين بدعوة قادة الحركة إلى موسكو، واعتبر مبادرة روسيا شجاعة وحكيمة، خاصة.
وإنها أتاحت للعالم أن يستمع لصوت ومواقف حركة «حماس» دون تشويش، واعتبر مشعل أن نتائج انتخابات البرلمان الفلسطيني تمنح الحركة حق التحدث باسم الشعب الفلسطيني.
وطالب بالسلام العادل في الشرق الأوسط، وقيم رئيس المكتب السياسي للحركة مباحثاته مع الخارجية الروسية انها كانت مثمرة، معتبرا أن آخرين سيتبعون روسيا فى اقامة صلات مع «حماس». وقد أعلن سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسى أن زيارة ممثلي حركة حماس لموسكو كانت مفيدة للجانبين.
ولابد من القول أن موسكو في مسألة تعاملها مع «حماس» تنطلق من حقيقة بسيطة يصعب تجاهلها، وهى أن حركة «حماس» تولت زمام الحكم في السلطة الفلسطينية على اثر انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية، وبالتالي لا توجد معوقات لإقامة صلات مع الحركة.
خاصة وأنها أصبحت حزب الأغلبية الذي يقود الحكومة الفلسطينية، بعبارة أخرى من يسعى لتسوية الأزمة المتفجرة في المنطقة لابد وأن يحرص على إقامة صلات مع «حماس» التي تقود اليوم الشعب الفلسطيني نحو تحقيق ما يطمح إليه.
ومن الخطأ التعامل مع «حماس» من زاوية وحيدة وهى تمسكها بالكفاح المسلح، لان زحماسس تلعب دورا مهما في إطار إيجاد حلول فعالة للمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على أراضيه.
وهو ما تعبر عنه ثقة أغلبية الناخبين الفلسطينيين الذين أعطوا أصواتهم للأقدر على حل مشاكلهم سواء منها السياسية أو الأمنية أو الاجتماعية أو الاقتصادية.
وتدرك موسكو أن المشكلة في التعامل مع «حماس» تكمن في مواقفها من مشروع (خارطة الطريق) وقرارات رباعي الوسطاء الدوليين، لذا تحاول الخارجية الروسية مساعدة الحركة في الانتقال إلى مفهوم وبنية القوة السياسية، وان تقوم بدمج الميليشيات المسلحة التابعة لها مع قوات الأمن الفلسطينية.
ذلك باعتبار أن اعتراف «حماس» بكافة الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية هو السبيل الوحيد لمواصلة الحوار والتفاوض من حيث انتهى، بدلا من العودة إلى نقطة الصفر.
أو البداية مرة أخرى من جديد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نتائج هذه الجهود لن تكون سريعة، إن إصلاح مواقف «حماس» إزاء القضايا الأساسية في الأزمة يتطلب جهودا تعتمد على التأثير المتبادل بين العمل ونتائجه . وهو ما يتم إتباعه مع الحكومات الإسرائيلية أيضا منذ بدء عمليات التفاوض السلمي.
وقد بدء العمل على هذه المناحي من خلال الصلات القائمة بالفعل مع حركة «حماس»، إذ استقبلت الدول العربية وعدد من الدول الإسلامية قيادات حركة «حماس»، ولم يقتصر الأمر على إجراء محادثات وتبادل وجهات النظر.
وإنما حصلت الحركة على وعود بالمساعدة والدعم، وذلك بالرغم من تصريحات واشنطن ومواقفها المتشددة تجاه الحركة، ودعوتها لعزل ومقاطعة «حماس» وحكومتها.
ويعتقد البعض أن حرص روسيا على التعامل مع حكومة «حماس» في الوقت الذي تبذل واشنطن جهودا كبيرة لعزلها، ما هو إلا محاولة للدخول إلى المنطقة، واقتسام النفوذ و التأثير مع الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط.
وإذا افترضنا جدلا صحة هذا التحليل، فلابد أن نسلم انه لايحمل اى إدانة لموسكو، خاصة ان لروسيا مصالح حيوية في المنطقة، مما يجعلها تهتم بالأوضاع الراهنة واتجاهات تطورها.
إلا أن حقيقة الأمر تكمن أساسا في أن ما تدعو له واشنطن ومساعيها لعزل حكومة «حماس» ستؤدى بالضرورة لتدهور الوضع السياسي فى المنطقة، وتعقيد الأزمة من جهة، ومن جهة ستزيد من تدهور الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني، وبالتالي ستغذي النزعات المتطرفة، وتتسبب في احتدام النزاع.
بالإضافة لذلك لا يمكن أن نتجاهل التعاطف والتضامن القائم في العلاقات الروسية ـ العربية، والذي كان له اثر ملموس أيضا في حرص الكرملين على مواصلة العلاقات مع السلطة الفلسطينية.
ومما لاشك فيه أن اتجاهات تطور الوضع في الشرق الأوسط ترتبط بشكل كبير بالسياسات والمواقف التي تنتهجها حكومة «حماس»، والتي يجب أن تتحلى بالحكمة والمرونة، لكي تحقق مطامح الفلسطينيين، الذين منحوا «حماس» ثقتهم.
ان المجتمع الدولي لابد وأن يتعاون مع «حماس» إذا كان بالفعل يحترم القيم الديمقراطية وحرية الرأي وخيارات الشعوب، ويسعى للحفاظ على منظومة القيم والمبادئ التي تحكم العلاقات بين مختلف دول وشعوب العالم.
كاتب ومحلل سياسي روسي
