تجه العالم اليوم نحو المعرفة بقوة وسرعة لم يشهد لهما التاريخ مثيلا، فقد أصبح الحديث عن مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة وهيمنة العلم والتكنولوجيا يأخذ مساحات شاسعة من المناقشات والدراسات والقرارات ذات الأهمية.

وأصبحت الدول في كل بقاع الأرض- على اختلاف إمكاناتها وأوضاعها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية- تحث الخطا نحو امتلاك عناصر المعرفة والتكنولوجيا لتضمن لنفسها مكانا لائقا ولتحمي مستقبلها من أن يسحق تحت وطأة القوى العظمى والشراهة الاقتصادية العالمية وطوفان التقدم العلمي الذي لا يقف عند حدّ.

ويكفي هنا أن نتأمل الواقع الذي استطاعت بعض الدول أن تحققه في زمن قياسي قد لا يتجاوز أحيانا عقدا واحدا من السنين؛ فالتجربة الماليزية تبقى حاضرة وبقوة في كل حديث عن النجاحات التي تحققها الإرادة والتخطيط السليم وبعد النظر.

ولا تقل عنها قدرا ولا مضاء ما تسجله كوريا الجنوبية من تفوق متسارع في مجال الصناعات التكنولوجية المتطورة جدا، وفي الهند يتعجب المرء من المصانع العملاقة لمنتجات الحاسب الآلي التي برزت بسرعة الضوء وصار لها حضورها الثقيل بحيث أصبحت تنافس كبريات الشركات الأوروبية والأميركية.

وتعد سنغافورة اليوم من المناطق التي تسجل حضورا قويا في مجال التقدم التقني وامتلاك عناصر المعرفة، وأسوق هنا ما قاله أحد الوزراء هناك في جوابه عن سؤال العالم المصري أحمد زويل: إلى أين أنتم ذاهبون؟

إذ أجابه بقوله: « عندنا الآن الأسواق العالمية الرئيسية للالكترونيات الدقيقة، وقد خصصنا 40 مليار دولار للتركيز على البيوتكنولوجي في السنوات العشر القادمة».

وتضرب إيرلندا، ذلك البلد الأوروبي الصغير، مثالا آخر على النجاح في تحقيق التقدم العلمي والمعرفي والتحول السريع إلى اقتصاد المعرفة خلال عقدين من الزمن فقط، وذلك بالتركيز على التعليم وتطوير آلياته ومنشآته فاستطاعت بذلك أن تصل بميزانها التجاري لعام 2000 إلى 60 مليار دولار.

إن هذا التغيير المتسارع في العالم كله لا يمكن لأي دولة من الدول أن تعزل نفسها عنه، وهي غير قادرة بأي حال من الأحوال على ألا تتأثر به وتنساق له إما إيجابا أو سلبا، فماذا يقول واقعنا العربي في هذا الشأن؟

وكيف يتعامل العرب شعوبا وحكومات مع مفهوم اقتصاد المعرفة والتخطيط للمستقبل في ضوء سلطة العلم وهيمنة المعلومات بوصفها موردا اقتصاديا استراتيجيا له تأثيره الكبير في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟

يكفي هنا أن نسلط الضوء على بعض ما جاء في تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2003 الذي يبين أن إقامة مجتمع المعرفة يعتمد بالدرجة الأولى على تأسيس نمط إنتاج المعرفة عوضا عن هيمنة الإنتاج الريعي القائم اليوم في أغلب البلدان العربية.

إذ يعتمد الإنتاج السائد في الدول العربية على استنضاب المواد الخام، وعلى رأسها النفط « مما يضعف الطلب على اقتصاد المعرفة ويهدر فرص إنتاجها وتوظيفها بفعالية في النشاط الاقتصادي».

ويشير التقرير إلى جوانب أخرى أدت إلى قصور السياق المجتمعي في البلدان العربية عن إنشاء طلب فعال للمعرفة يتمثل في ضعف منظومة المعرفة في أساسها «وتفشي آليات اجتماعية بديلة وناجعة لحل المشكلات المجتمعية كالمحسوبية والمحاباة».

والتوازي شبه التام بين توزيع السلطة وتوزيع الثروة الذي أفرز آثارا سلبية وقفت سدا منيعا في وجه التقدم العلمي والمعرفي مثل «استشراء المنفعة وتقديم الخير الخاص على الخير العام والفساد الاجتماعي والأخلاقي وغياب النزاهة والمسؤولية وأمراض أخرى كثيرة ترتبط ارتباطا مباشرا أو غير مباشر بالتفاوت غير العادل بين الناس».

ويشير التقرير كذلك إلى الآثار السلبية الأخرى التي نتجت عن الطفرة النفطية التي كان من المتوقع أن تساند الإبداع واكتساب أدوات العلم والمعرفة، ولكنها صبت معظم تأثيرها في الاتجاه المعاكس؛ «فقد ضعفت القيمة الاجتماعية العليا للعالم والمتعلم والمثقف، وكادت تنحصر في الثراء والمال.

وحلت الملكية محل المعرفة «حتى كادت المعرفة تفرَّغ من مضمونها الإنساني العميق المؤثر». كما أسهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي وابتعاد المواطنين عن المشاركة في إحداث التغيير المطلوب».

وتصدق الإحصاءات ما يشير إليه التقرير من تخلف العرب عن الآخرين في مجال تحصيل عناصر المعرفة وامتلاكها وإنتاجها؛ فقد ذكر معهد المعلومات العلمية أن مجموع الأوراق العلمية التي نشرت في جميع أنحاء العالم في السنوات الخمس الأخيرة بلغ 5 ,3 ملايين ورقة موزعة بالنسب المئوية على الدول كالتالي:

37% الاتحاد الأوروبي، 34% الولايات المتحدة الأمريكية، 22% دول آسيا على المحيط الهادي، 2 ,2% الهند ، 3 ,1% « إسرائيل»، أما العالم العربي بكل إمكاناته وعدد سكانه الذي يبلغ 280 مليون نسمة تقريبا فقد جاءت مساهماته بين صفر% و3 ,0 % .

وفي هذا السياق يشير أحمد زويل إلى أنّ مقارنة هذه الأرقام بأرقام دول أخرى يضع العالم العربي كله في وضع مماثل لدول من مثل أنغولا ونيكاراجوا والصومال.

وإذا تركنا إنتاج المعرفة الذي يشترط شروطا كثيرة قد يصعب على بعض الدول العربية تحقيقها ونظرنا في استيراد المعرفة في أهم شكل من أشكالها على الإطلاق.

وهو الترجمة فإن الأرقام لن تقف في صالحنا أيضا، فقد أشار تقرير التنمية العربية إلى أنّ حركة الترجمة ضعيفة جدا ومشوبة بالفوضى « فمتوسط الكتب المترجمة لكل مليون شخص من العرب في السنوات الأولى من الثمانينات يساوي 4 ,4 كتب، أي أقل من كتاب واحد كل سنة، بينما بلغ 519 كتابا في المجر، و920 كتابا في إسبانيا».

ولو افترضنا أن هذه الأرقام قد زادت في السنوات الأخيرة فإن الزيادة مهما تبلغ لن تخرجنا من نفق التأخر في نقل المعرفة عن الآخر فكيف هو الحال إذا فكرنا في إنتاجها وتوظيفها وامتلاكها وجعلها عنصرا أساسيا من عناصر اقتصادنا في زمن تعد المعرفة فيه ورأس المال البشري القاعدة الوحيدة للبناء والرخاء؟

جامعة الإمارات