أعلن د. حسن الترابي فتوى بشأن حقوق المرأة المسلمة بجواز زواجها من رجل غير مسلم إذا كان كتابياً ـ مسيحياً كان أم يهودياً.جاء ذلك في سياق محاضرة دينية ألقاها في مدينة أم درمان السودانية هذا الأسبوع.

خلال الأسبوع نفسه عقد كينيث روس مدير منظمة «هيومان رايتس ووتش» الأميركية اجتماعاً في القاهرة مع رئيس الوزراء المصري طالب فيه الحكومة المصرية بتحقيق المساواة بين المرأة والرجل في الطلاق والميراث.

هذا التزامن بين ما جرى في أم درمان وما جرى في القاهرة ليس سوى مصادفة بحتة، ومع ذلك لا يخلو من مغزى. فهذا التطابق في الرؤية الفكرية تجاه الإسلام بين زعيم إسلامي يُصنَّف ـ أو كان يُصنَّف ـ من وجهة نظر الغرب كشخصية «أصولية» وبين مدير منظمة غربية تشتغل بمسائل «حقوق الإنسان» يعني تشابهاً في القلوب.

لمدى السنوات السبع الأخيرة، منذ إقصائه عن السلطة، ظل د. الترابي يصدر إشارات من حين إلى آخر صوب واشنطن والغرب عموماً توحي وكأنه طلّق «الأصولية» وتشي بالتالي وكأنه ينشد تقارباً سياسياً مع الولايات المتحدة. والمحاضرة الأمدرمانية تبدو بأنها أحدث هذه المؤشرات وأوضحها.

بعد أن وصف د. الترابي تحريم زواج المرأة المسلمة بغير المسلم حتى لو كان كتابياً بأنه يدخل في باب «التخرصات والأباطيل» فإنه أعاد إلى أذهان السامعين فتواه السابقة بحق المرأة في إمامة الرجال في الصلاة، ثم أضاف فتوى جديدة بأن شهادة المرأة تعادل شهادة الرجل تماماً وتساويها، نافياً أن شهادة رجل واحد تساوي شهادة امرأتين.

ليس غرضي أن أدخل في جدال فقهي مع عالم متفقه ومتخصِّص، إنما أقول إن سعي د. الترابي إلى التقارب السياسي مع الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً لا ينبغي أن يثير دهشة أحد، هكذا تفيدنا السيرة الشخصية لهذا الزعيم السياسي.

عندما برز الترابي للمرة الأولى في ساحة العمل السياسي العام في منتصف ستينات القرن الماضي كمرشد لتنظيم «جبهة الميثاق الإسلامي» (الذي صار فيما بعد «الجبهة الإسلامية القومية») كان يعرض حزبه علناً كتنظيم موالٍ للاستراتيجية الأميركية في المنطقة العربية، وكعدو ثابت لتياري القومية العربية واليسار.

وانطلاقاً من هذه الموالاة لواشنطن كانت «جبهة الميثاق الإسلامي»موحدة الرؤية مع تنظيم (الإخوان المسلمين )في مصر في التحالف مع الولايات المتحدة ضد عبدالناصر والناصرية.

بهذا المنظور كان الترابي العقل المدبِّر لمؤامرة حظر الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان قرب نهاية عام 1965.

ومما يرويه التاريخ أن المبادرة لحل الحزب الشيوعي صدرت أصلاً من السفارة الأميركية في الخرطوم لينتقل التدبير التنفيذي إلى «جبهة الميثاق الإسلامي».

ما بين الستينات والثمانينات جرت مياه تحت الجسر. فقد نشأت في التنظيم الإسلامي أجيال جديدة تتوجه صوب الثورة الخمينية والنموذج الإيراني الراديكالي.

هنا، وحرصاً على المحافظة على موقعه القيادي، فيما يبدو، ركب الترابي الموجة الجديدة.الآن وفي سعيه لاسترداد السلطة بأي ثمن، يعرض الترابي نفسه على واشنطن.. مرة أخرى.