من نافل القول إن تجدد عمليات الاغتيال الإسرائيلية التي طالت مؤخراً عدداً من الكوادر والحالات الفلسطينية في قطاع غزة، لم تأت من فراغ، بل جاءت قي سياق محدد عنوانه إفشال الحكومة الفلسطينية التي شكلها إسماعيل هنية.

وتالياً إفشال حركة حماس ووضعهاأمام استحقاقات صعبة وقاسية، خصوصاً في ظل الإجراءات الأميركية الجارية لتجفيف مصادر الدعم الدولي المادي للشعب الفلسطيني، ورفع منسوب المعاناة والفاقة التي يعانيها مواطنو قطاع غزة على وجه الخصوص، فضلاً عن خلق حالة كبيرة من الإرباك في الوضع الداخلي الفلسطيني.

فعمليات الاغتيال جاءت في الوقت الذي كانت تشهد فيه جبهة المواجهة العسكرية هدوءاً نسبياً، فيما بدا التسخين يتأتى من الاحتلال وقواته التي تزنر وتحيط بمناطق قطاع غزة، وكأن به محاولة لاستدراج حركة حماس وجناحها العسكري إلى معركة مفتوحة.

وعلى هذا الأساس، يأتي التصعيد الإسرائيلي والعودة لنهج وأسلوب الاغتيالات، مترافقاً ومتناغماً مع الجهود الحثيثة التي تبذلها الإدارة الأميركية لخلق ائتلاف دولي مناهض للحكومة الفلسطينية الجديدة ولحركة حماس، ولإحداث انقلاب على نتائج الانتخابات الديمقراطية للمجلس التشريعي التي جرت في فلسطين مؤخراً.

وفي العودة لبعض الحقائق التاريخية، ومن موقع الاستذكار، يمكن القول بأن حروب القتل والاغتيالات والتهجير، والتطهير العرقي لم تكن سوى أبجديات الحروف في السياسة الصهيونية التوسعية التي أرادت فلسطين من نهرها إلى بحرها «وطناً دون شعب لشعب دون وطن».

فأشبعت وعي الشبيبة الصهيونية التي تدفقت هجرة استعمارية نحو فلسطين على فاشية ممزوجة بالعنصرية القاتلة دفعت بها نحو ممارسة الإرهاب بشكليه الفردي والجماعي.

ولم يسلم الوسيط الدولي الكونت برنادوت، فذهب شهيداً من أجل العدالة في فلسطين، وتابعت الدولة العبرية الصهيونية خط الاغتيالات، فقد تم تصفية المقدم - الملحق العسكري المصري في الأردن - عمان مصطفى حافظ عام 1954على خلفية دعمه لإنشاء خلايا مقاومة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948.

كما فقدت منظمة التحرير الفلسطينية من خلال عمليات الاغتيال الإسرائيلية وغيرها، العشرات من قيادات الصف الأول على مستوى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وقيادات الفصائل مثل الشهيد خالد اليشرطي عام 1969، والشاعر كمال ناصر الناطق الرسمي باسم المنظمة آنذاك عام 1972، والشهيد الكاتب والروائي المعروف غسان كنفاني عام 1972.

والشهيد حفظي قاسم مصطفى ( العقل المبدع للعمليات الفدائية النوعية) عام 1974، والشهيد فايز جابر عام 1976 في أوغندا، والشهيد الدكتور وديع حداد (أبوهاني) عام 1978حيث سقط في بغداد بعد مرض مدبر، والشهيد طلعت يعقوب (أبويعقوب) عام 1989.

والشهيد مهدي بسيسو عام 1994، والشهيد العقيد جهاد أحمد جبريل الذي سقط اغتيالاً في بيروت قبل عامين من الزمن وهو يشرف على توريد السلاح وإيصاله إلى قوى الانتفاضة في قطاع غزة.

لقد تصاعدت عمليات الاغتيال الإسرائيلية للكوادر الفلسطينية الفاعلة في صفوف الانتفاضة، وتطورت في أساليبها وأشكالها، من الاغتيالات المباشرة على الأرض بواسطة وحدات المستعربين الفاشية (وحدات مستعربين تضم يهودا من أصول عربية) العاملة في صفوف قوات الاحتلال، وهي المجموعات التي أسسها رئيس الموساد الحالي الجنرال مئير دغان.

ومجموعات الشاباك - الشين بيت (الأمن الداخلي) إلى استخدام الحوامات الجوية، وتحديداً مروحيات الأباتشي بالترابط المباشر مع المعلومات الاستخبارية على الأرض، وبإطلاق الصواريخ الليزرية فائقة التطور من نوع هيلفاير على الأهداف البشرية الفردية أو الجماعية.

إن العودة الجديدة لعمليات الاغتيال الإسرائيلية في مناطق قطاع غزة، تحمل في طياتها رسالتين: رسالة أولى إلى السلطة ذاتها والى رئيسها محمود عباس، بأن لا أحد بعيد عن مرمى النيران الإسرائيلية.

وهو ما أفصح عنه العديد من المتحدثين الإسرائيليين في السابق، ورسالة ثانية مفادها أن إسرائيل تملك من النوايا والإمكانيات ما يدفعها نحو تأزيم الوضع في المنطقة وإفشال الحكومة الفلسطينية الجديدة وتالياً حركة حماس، فضلاً عن إرهابها وبث الرعب في صفوفها، وبين صفوف الوزراء الفلسطينيين الجدد.

إن ردود الفعل التي أحدثتها وتحدثها الاغتيالات الإسرائيلية ستولد بالضرورة ردود فعل مشروعة على يد الأجنحة العسكرية لقوى المقاومة، حيث سيبقى معها الأمن الإسرائيلي معرضاً للاهتزاز والانتكاس فوق عموم الأرض المحتلة على جانبي الخط، من القشرة إلى العمق.

كاتب فلسطيني