يثبت تاريخ دولة الإمارات الحديث منذ نشأتها، أنها لم تعان في أي مرحلة من مراحلها من أزمة حوار الحضارات؛ لأسباب كثيرة ومتنوعة، ومع ذلك فإن بعض دول الغرب كثيراً ما تتسبب في أزمة حوار معها لأسباب متنوعة، أهمها أطماع الغرب التي لا تنتهي. والتي تتسبب في رجوع الحوار غالبا إلى نقطة الصفر عند ظهور أي مشكلة.

وكما قلنا في مقال سابق فإن أول نقطة نظام في أي حوار للحضارات هي أن يقوم علي احترام متبادل لخصوصية كل حضارة، فالحضارة الغربية لها خصوصية والحضارة العربية الإسلامية لها أيضا خصوصيتها.

ولابد من ان يحترم العرب علمانية الغرب وخصوصية خبرته الحضارية ومشروع نهضته، كما عليه ان يحترم خصوصية الحضارات الأخرى التي يريد أن يدخل معها في حوار.

وهذا ما تفعله دولتنا الاتحادية دوما حيث تكشف سياستها الخارجية، بل وسياستها الداخلية، عن احترامها للآخرين وتقديرها للخصوصية الحضارية والثقافية لغير العرب وغير المسلمين من أبناء الحضارات الأخرى في العالم.

وتحمل مناهج التعليم في الإمارات قدرا كبيرا من الاحترام لهوية الآخر وتنوعه، حيث نجحت هذه المناهج في تغيير طريقة تفكير الناس، فصاروا يتقبلون فكرة التنوع الثقافي والحضاري وحتى الديني.

وتكشف كل الأزمات السياسية التي دخلتها الإمارات على غير إرادة منها أنها ترفض العنف، لإيمانها بأن العنف يزيد المشاكل تعقيداً، ويسبب خسائر كبرى على الجانبين تدفع الشعوب فاتورتها الباهظة. ولذلك فالإمارات تفضل دوما الحلول السلمية، وهي مشهورة بذلك في المنطقة العربية بل في العالم كله.

بل إن حكومتنا الاتحادية ترفض فكرة الصراع ، وتفضل دوما الحوار السياسي والحضاري، وعندما يتسبب الآخر في إفشال هذا الحوار ـ أعني الحوار السياسي بالذات ـ فإنها تلجأ إلى القانون الدولي كحل أخير، والأمثلة على ذلك كثيرة والحمد لله، ولا تعتبر الحرب هي الحل الأخير مثل دول أخرى كثيرة.

ولا شك أن المؤسسات في دولة الإمارات تسهم في التواصل الحضاري ولاسيما مع الغرب مثل مركز «محمد بن راشد للتواصل الحضاري» وتؤكد سياسة هذا المركز على أنه لا يمكن لحضارة بعينها احتكار قيم التقدم وأساليبه..

فالتقدم الإنساني هو محصلة حضارية متنوعة وتجارب متعددة ومما يعمل هذا المركز على تحقيقه مواجهة الصور الزائفة في الغرب حول الإسلام، وبيان كيف تم خداع الكثير من الغربيين ورجال الدين المسيحيين حول الإسلام.

فقد كانوا يعتقدون أن المسلمين يتغاضون عن الإرهاب ويسيئون معاملة النساء ويعارضون الديمقراطية، ويسعى هذاالمركز إلى إقناع العالم بأن الصدام بين الحضارة الإسلامية والغرب ليس بالحتمي، وفي الحقيقة وفي غياب الكارثة غير المتوقعة فإن الصدام لن يحدث.

إن الحضارتين تتفهمان بعضهما أكثر من ذي قبل، وسيتم التفاهم بين الحضارتين أكثر في المستقبل، إن الحضارتين تتحرك نحو بعضهما البعض، وفي ضوء عصر التنوير التعليمي فإن الاختلافات الموجودة تتآكل ورغم بقاء سمات رئيسية معينة فإن التآكل الإضافي سيمحوها.

وتؤمن القيادة السياسية ورجالات الفكر في الإمارات بأن الشرق الأوسط هو المنطقة التي توحدت وامتزجت فيها الحضارات منذ بداية التاريخ، لذلك فمن الطبيعي ان تقوم مراكز الأبحاث المختلفة في الإمارات بمواصلة وتعميق الحوار مع الحضارات الأخرى من أجل البحث عن نقاط الالتقاء والمشترك الإنساني وهي في سبيل هذا تقوم بالتنسيق مع جامعة الدول العربية.

ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الأمم المتحدة، وتشجع البحث العلمي المشترك في مجال الدراسات والعلوم الإنسانية بين الجامعات والمراكز العلمية العربية والأجنبية.

وترفض الارهاب الذي لا دين له ولا وطن دون الخلط بينه وبين الكفاح الوطني المشروع، وتستخدم المعلوماتية الحديثة في نشر معطيات الحضارة العربية الإسلامية، من خلال وسائل الإعلام المختلفة سواء التلفزيون أو شبكة الانترنت أوالصحافة.

كما تقوم الدبلوماسية الإماراتية بدور كبير في الحوار الحضاري، وهنا لابد من التنويه بما يقوم به معهد الإمارات الدبلوماسي، وربما من أهم أعمال هذا المعهد في الآونة الأخيرة المشاركة في اجتماعات «مجموعة النظرة الاستراتيجية» لحوار روسيا الاتحادية مع الدول الإسلامية التي نظمتها وزارة الخارجية الروسية، بهدف بلورة شراكة .

وتفاهم بين الحضارات للتعاون في مواجهة مشكلات عالمية وأزمات عابرة للحدود، كالإرهاب الدولي والكراهية الجماعية ورفض التعددية في الثقافات، وحاجة البشرية لاحترام التنوع ومعتقدات الشعوب.

كما ان لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة دوراً كبيراً في انجاح الحوار الحضاري، وعلى سبيل المثال فإنه يعطي كل الدعم والرعاية والتشجيع لمراكز الأبحاث الإماراتية المعنية بالحوار الحضاري.

ويؤكد دوماً حرص الحكومة الاتحادية على تفعيل دور منظمة المؤتمر الإسلامي، وجامعة الدول العربية، على الصعيدين الاقليمي والدولي مؤكداً ان العالم بحاجة اليوم إلى التخاطب وفتح الحوار مع المنظمة التي تقع على عاتقها مسؤولية تفعيل حوار الحضارات والتأكيد على سماحة الإسلام ووسطيته واعتداله.

ومن الجدير بالذكر ان حوار الحضارات في الإمارات ليس فقط على مستوى الكلام والمؤتمرات، بل أيضاً على مستوى الفعل، فدولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وفي عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه.

سباقة إلى العمل بحرص من أجل تطوير الحوار والتعاون مع دول العالم المختلفة، فضلاً عن مواقفها الإنسانية النبيلة في مجال تقديم المساعدات والإغاثة لعدد من بلدان العالم، كما تقوم بإرسال البعثات التعليمية إلى دول الغرب.

وتستقدم عدداً من الأساتذة والأكاديميين الغربيين في مدارسها وجامعاتها المختلفة، مما يدعم التقارب الفكري بين شعوب العالم وشعب دولة الإمارات العربية المتحدة.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات