عندما نقول: إن الغرب يمارس إنسانيته في مناطق أخرى ولا يرى ما يجري في منطقتنا، فإننا نجانب الحقيقة قليلاً، لأن هذا الغرب «الحضاري جداً» يرى ما يجري من مأساة إنسانية في الأراضي العربية المحتلة بفعل الإرهاب الإسرائيلي المنظم، ولا يحرك ساكناً، والأنكى من ذلك أنه دخل شريكاً لـ«إسرائيل» في عملية العقاب الجماعي للفلسطينيين بقطعه التحويلات المالية والمساعدات عقاباً للشعب الفلسطيني على اختياره الديمقراطي لممثليه في الحكومة والبرلمان.

الموقف الأوروبي على الأقل هو المقصود في ازدواجية المعايير وخلل المفاهيم، لأن الموقف الأميركي بات مسلماً به، وبأنه منحاز لـ«إسرائيل» وأن إدارة الرئيس بوش تنظر إلى منطقتنا من خلال العين الإسرائيلية وما يرتبه المحافظون الجدد في إدارته من خطط إسرائيلية الهوى والتوجه..

لكن الأوروبيين يفترض أن يكون لهم موقف مغاير عن الموقف الأميركي، أي أن يكونوا أكثر إنسانية وانسجاماً مع مبادئ الحرية والديمقراطية وقوانين حقوق الإنسان وألا يخلطوا الأمور في نظرتهم إلى تطلعات الشعوب وحقوقها في الحرية والعيش بكرامة. ‏

قد يكون العتب على الموقف الأوروبي كبيراً، لكنه يعكس استياء حقيقياً من الشعب الفلسطيني الذي بات يعيش ظلماً غير مسبوق بتاريخ البشرية، وتحولت حياته جحيماً حقيقياً بسبب الإرهاب الإسرائيلي المتواصل الذي أدى في اليومين السابقين فقط إلى استشهاد عشرين مواطناً وإلى عشرات الجرحى والمعتقلين، والذي لم يتوقف منذ مجزرة جنين قبل أربع سنوات، ليضاف إليه عقاب من نوع آخر وإذلال مقصود إيضاً عبر التجويع والحرب في لقمة العيش.. وممن؟ من أوروبا والغرب عموماً الذي يدعي الحرص على حقوق الإنسان! ‏

ولو أن مزاعم الغرب صحيحة تجاه حماس، وهي غير صحيحة بالمطلق.. فلماذا يعاقبون كل الشعب الفلسطيني في لقمة العيش ولا يتخذون أي إجراء عملي لوقف الإرهاب الإسرائيلي ومساءلة «إسرائيل» على جرائمها؟ ‏

ثم لماذا لم يفعّلوا عملية السلام قبل وصول حماس إلى السلطة حتى على قاعدة خريطة الطريق على الأقل، بدلاً من أن يتركوا «إسرائيل» تدمر هذه الخطة وفق أهدافها العدوانية والتوسعية؟ ‏

إن الغرب عموماً، وأوروبا بشكل خاص، يتحملان مسؤولية الكارثة الإنسانية التي تحيق بالشعب الفلسطيني، ويتحملان أيضاً المسؤولية التاريخية عن كل ما جرى لقضية هذا الشعب العادلة سابقاً، وحالياً، لأنه من العار على البشرية أن يظل الشعب الفلسطيني محروماً من أبسط حقوقه، دون شعوب الأرض قاطبة.‏