دخلت العلاقات بين الرئاسة والحكومة الفلسطينيتين مرحلة التوتر الذي حاول الطرفان تفاديه لكن الظروف الدولية أجبرت الرئيس محمود عباس على اتخاذ خطوات اعتبرتها حكومة إسماعيل هنية انتزاعاً لصلاحياتها في شؤون كثيرة سواء الاقتصادية أو الأمنية أو الداخلية أو الخارجية.

وكان آخرها تعيين مدير عام للأمن الوقائي وضم مسؤولية إدارة المعابر والحدود إلى مكتب الرئيس أبو مازن. الرئيس الفلسطيني سبق وأن خاض صراعاً كهذا إبان توليه رئاسة الوزراء في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات.

حيث وجد نفسه في تنازع على الصلاحيات مع الرئيس عرفات وبعد جهود شاقة تم إدخال تعديلات على القانون الأساسي تم بموجبها إسناد صلاحيات مالية وأمنية لرئيس الوزراء ووزير داخليته وكان آنذاك العقيد محمد دحلان.

ولم يكن أبو مازن يتخيل أنه سيكون ذات يوم في الموقع المعاكس أي يخوض صراع تنازع الصلاحيات من موقع الرئيس وليس رئيس الوزراء. وقد اضطر إلى اتخاذ مثل هذه الخطوات ليس بهدف إعادة تركيز الصلاحيات في الرئيس وإنما لتسيير الشؤون العامة.

إذ أنه وجد أن الجهاز الأمني العسكري لن ينسجم مع وزير داخلية من حركة حماس باعتبار أن هذا الجهاز مشكل عملياً من أعضاء حركة فتح وبالنسبة للمعابر فإن عملها الأساسي ينحصر في التنسيق والتشاور مع الإسرائيليين وهؤلاء لا يريدون أية علاقة مع حكومة حماس وبالتالي صار لزاماً ضمها إلى مكتبه حتى يستمر التنسيق مع الإسرائيليين لتسهيل حركة المرور عبر المعابر.

وهو بذلك مكره على إصدار مراسيم تضع هذه الأجهزة تحت سلطته لضمان استمرار العمل فيها. عملياً وجد الرئيس الفلسطيني المنتخب ديمقراطياً أيضاً نفسه مضطراً لتركيز صلاحيات واسعة في يديه عمل ذات سنة جاهداً لوضعها في يد رئيس الحكومة.

وهو الآن يدير حكومة موازية مصغرة قوامها مستشارون برتبة وزير في كافة الشؤون، وكان رئيس الوزراء السابق أحمد قريع عمل جاهداً هو الآخر على سد الثغرات في المناصب العليا في الوزارات .

وأصدر سلسلة من القرارات بتعيين وكلاء وزارات ومديرين عامين وصارت هناك حكومة من الوكلاء لمواجهة حكومة «الله وكيلك» الحمسوية حتى يفوت فرصة تعيين مسؤولين جدد من قبل حكومة حماس.

وقد فسر البعض ذلك بأنه يحاول منع وزراء حكومة حماس من ممارسة أي تأثير في وزاراتهم وإفشال حكومة حماس بإيجاد درع من المسؤولين الفتحاويين. وهذا عملياً هو الوضع القائم.

فالصراع مع حماس صرف أنظار نشطاء فتح عن محاولة إعادة بناء التنظيم ونبذ رموز الترهل والفساد في فتح بل وفي السلطة أيضاً، حيث تراجع الحديث عن معاقبة الفاسدين ومحاسبة المسؤولين.

أو متابعة الممارسات الإسرائيلية اليومية كالاغتيالات وإقامة الحواجز ومصادرة الأراضي وتسمين الاستيطان. لكن آخرين يقولون ان حركة حماس التي تعرض هدنة طويلة الأمد على الإسرائيليين الآن.

هي نفسها التي سخرت العمل العسكري طوال عشر سنوات لعرقلة تنفيذ أي اتفاق مع الإسرائيليين مع ان بعضها كان لتسيير حياة شؤون الناس كإيجاد ممر آمن بين غزة والضفة أو الإفراج عن أسرى أو تنفيذ بروتوكول اتفاق الخليل.. الخ وكأن هدفها كان تخريب أي اتفاق لإفشال السلطة فقط وليس للإضرار بالإسرائيليين.

فحركة حماس كانت تصف السلطة دوما بأنها سلطة حكم ذاتي محدود.. ودعت إلى حلها مراراً.. لكن عندما جاهر الكاتب بحل السلطة بعد اجتياح مقر المقاطعة في أريحا لأن السلطة لم تعد تحمي أرضها وشعبها وعناصرها ولم تعد لها أية سيادة فسر بعض قادة حماس ذلك بأنه دعوة لحل السلطة لأن حماس تولت الحكومة وهو تفسير غير دقيق.

فالسلطة بوضعها الحالي لم تعد تمارس أية صلاحية سيادية وصار عملها محصوراً بإدارة شؤون الصحة والتعليم وتوفير الرواتب فقط بعد أن جردها الاحتلال من أية صلاحيات سيادية أخرى، وبالتالي فإنها في الوضع الراهن تمارس وضع الوكيل عن الاحتلال في الشؤون الحياتية فقط.

وهي شؤون استنكف الاحتلال عن القيام بها عندما درس إمكانية تدمير السلطة في مطلع الانتفاضة ووجد أن تقليص صلاحياتها هو الحل الأمثل لأن تدميرها سيحمل الاحتلال أعباء مالية وقانونية كثيرة بل وسيضفي شرعية على المقاومة لأن الأرض الفلسطينية ستعتبر تحت الاحتلال الشامل والكامل.

أما بوجود السلطة فيمكن التمويه وتحميلها ما لا تتحمل من حيث اتهامها بعدم وقف العمليات العسكرية أو عدم التعاون.. الخ من الاتهامات الإسرائيلية ـ الأميركية الجاهزة.

كان بإمكان حركة حماس تفادي كل هذا لو أنها استعدت بخطاب سياسي قبل أن تنغمس في تشكيل الحكومة وقد تلقت نصائح عديدة بوجوب البحث عن برنامج توافقي مع الرئيس أبو مازن لإعفائها من المطالب الدولية وتفادي العزلة.

فهو أيضاً رئيس منتخب ولديه برنامجه الانتخابي الذي فاز على أساسه لكن شهوة السلطة والاستناد إلى البعد العربي والإسلامي والدعم من هذا البعد كان رهانا خاطئا وهي مضطرة لأن تدفع ثمن ذلك إما عزلة دولية أو فشلاً قريباً.

ان الحل الأمثل هو أن تركز حماس على الدخول في منظمة التحرير وإعادة بناء المنظمة باعتبارها الكيان السياسي الفلسطيني المعترف به دولياً وهي التي تتولى التفاوض حتى الآن وليس التركيز على البحث عن دول تستقبل وفوداً وتعترف بحكومة حماس، لأن المنظمة تحظى بذلك الاعتراف مسبقاً.

وليس ثمة حاجة لإعادة إنتاج اعتراف بجهة فلسطينية جديدة وكأنها بذلك تشكك في شرعية منظمة التحرير فالتاريخ الفلسطيني لم يبدأ مع انطلاق حركة حماس بل هو قبل ذلك.

رئيس تحرير»الحياة الجديدة» -فلسطين