عقدت «أكاديمية شرطة دبي» مؤتمرها الدولي الثالث، حول «الجوانب القانونية والأمنية لصناعة السياحة» في الفترة 3 ـ 5 أبريل 2006.

وتأتي أهمية هذا المؤتمر وفي هذا التوقيت، وفي «دبي» خاصة، لجملة عوامل: أولاً: هذا المؤتمر، أول طرح علمي متخصص ومتكامل حول صناعة السياحة، اذ أصبحت السياحة، صناعة احترافية قائمة بذاتها، ولتجويدها وحسن ترويجها لابد من الأخذ في الاعتبار جملة من الجوانب المؤثرة فيها.

وهي جوانب متعددة: قانونية واقتصادية وأمنية ودينية وثقافية واجتماعية وتربوية وبيئية، وهذا ما وفقت فيه أكاديمية شرطة دبي حينما وسعت دائرة محاور المؤتمر لتشمل كل تلك الجوانب.

وتسلط الأضواء عليها عبر استضافتها لنخبة من المتخصصين والخبراء سواء في القطاع السياحي أو الأكاديمي أو الاقتصادي، وعبر 8 جلسات وعلى مدى 3 أيام توصل المتحاورون الى توصيات هي الأولى من نوعها كما أتصور.

وثانياً: يأتي هذا المؤتمر في سياق ما حققته دبي من إنجازات سياحية مذهلة بحيث أصبح القطاع السياحي من أهم القطاعات تحقيقاً للدخل فقد خففت العوائد المباشرة وغير المباشرة من السياحة، ما نسبته 32% من الناتج المحلي.

فيما شكلت فنادقها نسبة إشغال، هي الأعلى بين فنادق العالم 84% في العام الماضي، مستوعبة أكثر من 6 ملايين سائح، ومحققة دخلاً مقداره 9 مليارات درهم، وتستهدف استراتيجية السياحة في دولة الإمارات الوصول الى رقم 15 مليون سائح بحلول عام 2015.

وثالثا: لقد تعاظم دور القطاع السياحي بشكل متسارع، بحيث أصبحت «السياحة» الآن، حقاً، «قاطرة» التنمية الاقتصادية للدولة، للارتفاع بعوائد الناتج المحلي، ولجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية، ولتحسين صورة الدولة في الخارج.

ولكسب السمعة الدولية ولضمان المصداقية أمام المحفل الدولي ولتوثيق العلاقات السياسية الدولية، ثم وهو الأهم لخلق فرص عمل أمام الشباب، فالبطالة العربية قنبلة موقوتة تدفع الشباب للإنحراف والجريمة والتطرف، وقد دعا «منتدى التنمية» في بيروت، دول المنطقة إلى تأمين 90 مليون فرصة عمل في 20 سنة.

وقد أشار خالد بن سليم ـ مدير دائرة السياحة والتسويق بدبي في كلمته الافتتاحية الى أن الدخل الاقتصادي القوي يؤدي الى انخفاض نسبة الجريمة، وهذا ما أكدته ـ أيضاً ـ تجربة دبي التنموية فعلاً.

كما أكده الفريق ضاحي خلفان تميم قائد عام شرطة دبي الذي افتتح المؤتمر مطالباً بإيجاد قانون متكامل لتنظيم السياحة/ وتعميم تجربة شرطة دبي في إنشاء إدارة للأمن السياحي على كافة إدارات الشرطة على مستوى الدولة.

ويشير تقرير منظمة السياحة العالمية حتى عام 2020، أن نسبة السياح في العالم تصل إلى «مليار ونصف المليار سائح» وستكون حصة السياحة العربية منها 70 مليون سائح.

وأكد العميد د. محمد أحمد بن فهد، مدير الأكاديمية، ان بعض الدراسات تشير إلى أن الصناعة السياحية، حققت ما قيمته 10 تريليونات دولار في الاقتصاد العالمي، وما يقرب من 1,8% من إجمالي التوظيف على المستوى العالمي.

لقد أصبح من المؤكد الآن انه لا يمكن تحويل أية دولة إلى مركز مالي متقدم إلا بعد تحديث تشريعاتها المالية والاقتصادية ومن أهمها التشريعات المتعلقة بالتنمية السياحية. وقد استطاعت دولة الإمارات العربية المتحدة ان تحقق هذه الطفرة بفضل التشريعات المرنة المنفتحة على العالم وأيضاً بالإجراءات ذات الشفافية العالية.

ومن الجدير بالذكر، تزامن عقد «مؤتمر الاستثمار والتطوير العقاري، عقارات عربية 2006» و«معرض الإنشاء والتعمير ـ أبوظبي 2006» مع مؤتمر السياحة في دبي.

حيث تمت صفقات بيع في مشاريع عقارية عملاقة قيمتها 37 مليار دولار، هذا التسارع في النمو الاقتصادي وفي كافة المجالات هو الذي جعل الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة يصرح بأنه «لا منافسة اقتصادية للإمارات بالمنطقة خلال الـ 25 سنة المقبلة».

ولكن ما يحمد لدول الخليج تزايد الوعي بأهمية السياحة في عملية التنمية وهناك سعي حثيث لجميع دول المنطقة نحو تطوير البنية التحتية والخدمات والمرافق والإنشاءات خلال السنتين المقبلتين بكلفة 400 مليار دولار.

إن معادلة النجاح في صناعة السياحة، كما أثبتتها «تجربة دبي» تستلزم توافر عدة عوامل، منها: تشريعات اقتصادية منفتحة، غير هيابة للخصخصة، بنية تحتية قوية، خدمات وتسهيلات متقدمة، شبكة أمنية متطورة، وأخيراً وهو المهم «مناخ» اجتماعي ودود، يرحب بالسياحة والسواح.

وليس شرطاً ان تتمتع الدولة بآثار أو معالم سياحية فهناك دول أنعم الله عليها بكل المقومات السياحية من المعالم والمناظر والآثار ولكنها فاشلة في صناعة السياحة.

لقد كانت البحوث المقدمة في معظمها متميزة، غطت محاور المؤتمر، ولقي بحث د. حسن البراوي من «كلية القانون» بقطر عن «التزام الفندق بحفظ أمتعة العملاء استحساناً واسعاً، باعتباره أول بحث يلقي الأضواء على القانون المدني القطري الجديد.

وقد امتعتنا المداخلات العميقة للدكتور علي لطفي ـ رئيس وزراء مصر الأسبق وأستاذ الاقتصاد ـ وأثرت المؤتمر، وكانت لمداعباته و«قفشاته» اللطيفة الذكية الأثر الكبير في اسعاد الحضور.

وباعتباري رئيس جلسة كانت كلمتي مركزة على محور أراه شديد الأهمية في صناعة السياحة، ألا وهو «التطبيع النفسي والتربوي في استيعاب الآخر» أقصد الأبعاد التربوية والتعليمية والدينية في ايجاد ثقافة مجتمعية، منفتحة على الآخر.

ودورة مع السياحة والسواح، وهذا يتطلب الاهتمام بالتربية والتعليم والخطاب الديني من أجل ايجاد الوعي السياحي لدى ابناء المجتمع. بمعنى آخر، أننا نريد «بيئة مجتمعية» تحترم المعتقدات وحقوق الإنسان، عندها الوعي الكافي بأهمية السياحة في التنمية.

وهذا يتطلب إدراج «ثقافة السياحة» في المناهج لأنه مهما كانت عندك من كنوز سياحية، اذا كانت الثقافة المجتمعية السائدة، يسودها التحريض على كراهية الآخرين ومقاطعة بضائعهم لذرائع أيديولوجية أو سياسية أو تصورات مشوهة مع إفرازات لنظرية المؤامرة فإن «صناعة السياحة» لن تحقق أهدافها!!

اذا لم تكن المنظومة المجتمعية: تربية وتعليماً وخطاباً دينياً وإعلاميا منظومة متناغمة ومتكاملة فلن تنجح!! للسياحة آثارها السلبية، والمجتمع الناجح من يقلل السلبيات ويعظم الايجابيات وقد نجحت دبي في ذلك عبر صيغة توافرت فيها متطلبات السياحة وضرورات صيانة المبادئ والثوابت الوطنية والدينية.

واذا سادت المجتمع فتاوى التكفير والتحريم والتطرف والتضييق على خلق الله فلا تراهن على الساحة. أما عن التوصيات فقد جاءت في «14» صفحة ولن يتسع المقام هنا.

ولكن أهمها ضرورة إعادة النظر في التشريعات والنظر في إمكانية إصدار تأشيرة موحدة وتطوير المناهج بإضافة مادة «الأمن السياحي» وهي تدرس في الأكاديمية وضرورة الاهتمام بنشر الوعي السياحي والحفاظ على البيئة والآثار وتفعيل الحوار الحضاري.. الخ.

كاتب قطري