سواء قصد الرئيس عباس أو لم يقصد فإن رئاسة السلطة الفلسطينية أصبحت الآن تتشارك علنيا خندقاً واحداً مع إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مواجهة حكومة «حماس» المنتخبة ومن ورائها جماهير الأغلبية الفلسطينية التي انتخبتها، بما يوحي بأن وقوع صدام فلسطيني ـ فلسطيني خطير ليس احتمالاً مستبعداً.
بوادر الأزمة الراهنة التي تتعاظم على الأفق الفلسطيني بين الرئيس عباس وحكومة إسماعيل هنية بدأت تلوح منذ أن قرر قادة «فتح» ـ حزب الرئيس عباس ـ رفض دعوة حماس إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، فقد كان من الواضح أن رجال فتح يضمرون نوايا للعمل من على البعد على تفشيل حكومة تضطر حماس لتشكيلها منفردة.
فهل أضمرت هذه النوايا باتفاق مع حكومة أولمرت الإسرائيلية وإدارة بوش وحكومات الاتحاد الأوروبي؟
المشهد المتحرك المرئي يعكس تطابقاً كاملاً بين ما تريد سلطة الرئيس عباس من حكومة حماس وما يريد التحالف الإسرائيلي الغربي.. فكلاهما يطالبها أولاً بالاعتراف بإسرائيل مقدماً ودون مقابل.. وثانياً نبذ نهج المقاومة المسلحة.
وعلى خلفية هذه المطالبة النظرية تحرك الغرب في الخارج وتناغمت معه السلطة الفلسطينية من الداخل ليلتقيا عند هدف نسف الحكومة الحماسية المنتخبة عن طريق تأديب الشعب الفلسطيني الذي ارتكب «إثم» انتخابها.
الغرب يقطع مساعداته المالية ويمنع تدفق مساعدات مالية من مصادر أخرى ـ وفي الوقت نفسه يصدر الرئيس عباس مرسوماً تلو مرسوم بغرض حرمان الحكومة الفلسطينية من أدوات ممارسة الحكم.
ومن أجل هذه الغاية يخلع الرئيس قبعة ليرتدي قبعة أخرى، فهو رئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة فتح ورئيس مجلسها الثوري ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس مجلسها التنفيذي.
ولنتساءل: بأي حق يريد الرئيس عباس أن يفرض على حكومة حماس الاعتراف بإسرائيل؟
ان احتجاج الرئيس الفلسطيني بأنه نال تأييد جمهرة الناخبين في الانتخابات الرئاسية عفا عليه الزمن.
فالانتخابات التشريعية التي اكتسحتها حماس جاءت لاحقة على الانتخابات الرئاسية، أفلا يعني تأييد الشعب الفلسطيني لبرنامج حماس إسقاط نهج أوسلو الذي يتبناه الرئيس عباس؟
لحسم هذا الأمر الذي لا يحتاج إلى حسم اقترحت قيادة حماس أن يعقد استفتاء عام بشأن مسألة الاعتراف بإسرائيل ليحدد الشعب الفلسطيني موقفه تجاهها، فالشعب هو المرجعية الأخيرة.
ويتعين على قادة فتح أن يوافقوا على هذا الاقتراح إذا كان هاجسهم الأعظم هو قضية الاحتلال والأسلوب الأمثل للتصدي لها وليس الحرص على استرداد السلطة بدوافع الطموح الذاتي عن طريق نسف حكومة حماس.
ان البديل عن الاستفتاء هو استمرار الرئاسة الفلسطينية في استفزاز حكومة حماس. ومع تنامي تراكمات الاستفزاز قد ينشأ ظرف يصبح فيه الصدام حتمياً أو تتجمع عناصر انتفاضة شعبية عارمة تستهدف السلطة الفلسطينية بالدرجة الأولى.