يحتدم الجدل وتتعالى التصريحات، داخل العراق وخارجه، حول حقيقة ما تشهده ساحته، البعض يصنّف ما يجري من هدر أرواح يومي بأنه «حرب أهلية»، وآخرون ينفون هذا التصنيف، ومن خلال ذلك، تفرّع الحديث إلى ما سمّي بالولاءات السائدة في البلد، وأثار ذلك ردود فعل، من موقع النفي كما من موقع التأكيد، وطبعاً لكل واحد حيثياته.

التوصيف قد يكون صحيحاً، كما قد يكون مبالغاً فيه، كما أن النفي كذلك قد يكون في محله، كما قد يكون من باب النكران والمكابرة، لكن الثابت أن الدم العراقي ينزف بغزارة .

ويهدد بالأفظع والأخطر ويرافق ذلك كلام مكرور عن «فرق موت»، وعن تنامي «خطر الميليشيات» المتنافسة، فضلاً عن الحديث الرائج مؤخراً حول ظاهرة «التهجير الجماعي»، الطائفي أو الأثني.

في أية خانة يصح إدراج هذه الأمور وتفاعلاتها؟ لا يهمّ، ما يهمّ هو كيفية معالجتها ووضع حد لها. اختيار العنوان لها مسألة ثانوية، في هذه اللحظة، إذا كانت تنطبق عليها شروط الحرب الأهلية، فالواجب والضرورة يقضيان بأن يصار إلى محاصرتها من دون خسارة وقت، وإذا كانت لا تستوفي هذه الشروط، فهي في أحسن الحالات على عتبة استيفائها، والمطلوب بالتالي قطع الطريق عليها.

وصار من الواضح، في ضوء التعقيدات وعمق التردي الذي يعانيه الوضع العراقي، أن المدخل إلى وقف التدهور المريع يتطلب، عند المفصل الراهن، تحقيق خطوتين:

واحدة داخلية وتتمثل في الإسراع بتجاوز أزمة تشكيل الحكومة المتواصلة منذ حوالي أربعة أشهر، والأخرى، تتمثل بدور عربي ما؛ على وجه السرعة، على الأقل لوقف التصدع المريع، إذا لم يكن لتحقيق مصالحة وطنية شاملة.

للأسف الدور العربي، متعذر لأكثر من سبب معروف، ثم ان الوضع العربي مثقل بالهموم: من السودان إلى العراق، مروراً بالوضع الفلسطيني كما بملف العلاقات اللبنانية ـ السورية، كلها مستعجلة وظروفها دقيقة وخطيرة.

وهو بالكاد قادر على التحرك الفعّال في واحد منها. وياليته يفعل، لكن اذا كان الوضع العربي مسربل بالعوائق والقيود فلماذا يتعذر على الأطراف العراقية كسر مأزق تشكيل الحكومة؛ وهي التي تعلم أكثر من غيرها بأن المزيد من الجرجرة في هذا الملف محكوم بأن يتحول إلى المزيد من صبّ الزيت على نار الفتنة.

لا سيما وأن الجميع يدرك ويعترف بأن مثل هذه النار إذا خرجت من تحت السيطرة، لن تبقي لأحد أن يحصد سوى الخراب، والمؤسف ان الإشارات المحبطة ما زالت تتوالى في هذا الخصوص، فقد كان الأول من أمس الموعد الذي تحدد للحسم بشأن عقدة رئاسة الحكومة.

ثم جرى التأجيل إلى أمس وأحيل الأمر إلى لجنة لتأتي بالمخرج المطلوب. ويبدو أن هذه الأخيرة غرقت في التعقيدات والشروط والشروط المضادة.

الوضع العراقي الساخن بحاجة إلى صبّ ماء بارد على صفيحه، ومشكلاته المستعصية والمتفاقمة والمتداخلة والمعقدة، منها ما أفرزه الاحتلال، ومنها ما أفرزه الداخل السياسي والاجتماعي، إذا كان الأول لم تنضج بعد ظروف الخلاص منه.

فعلى الأقل ينبغي إنضاج شروط الجانب الداخلي من الأزمة وتبريرها، ومياه دجلة والفرات غزيرة إذا ما قرر العراقيون الغرف منها لإطفاء اللهب قبل انتشاره في هشيم البلد القابل للاشتعال.