في أواخر ابريل 2001 أكد محافظو المصارف المركزية الخليجية على أهمية ربط العملة الخليجية القادمة بالدولار. وفي الوقت نفسه أكد وزير المالية البحريني السابق في خطابه أمام مجموعة اقتصاديي شيكاغو أن ربط سعر صرف الدينار بالدولار ومحاكاة سعر الفائدة الأميركية يفيد الاقتصاد البحريني.

مرت خمس سنوات.. وتغيرت الأمور. في مارس الماضي أكد محافظ مؤسسة نقد البحرين (المصرف المركزي) أن المملكة ربما تراجع سياستها النقدية المحلية حال توقف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عن رفع سعر الفائدة.

أما محافظ المصرف المركزي الكويتي فقال إن الكويت تركز سياستها النقدية على الأوضاع المحلية، حيث رفعت سعر الفائدة مرتين بموازاة سعر الفائدة الأميركي، لكنها لم تفعل ذلك ثلاث مرات أخرى خلال الفترة المنصرمة.

وقبل أيام قالت البحرين وعمان انهما على الأرجح ستحتفظان بالجزء الأكبر من احتياطاتهما بالدولار. لكن بعض بلدان الخليج تدرس ما إذا كانت ستحول المزيد من احتياطاتها إلى اليورو. ترى ما الذي استجد في الأمر ؟ وهل تجيء هذه التصريحات في الأوان، أم فات الأوان؟

الآن، يشير بعض المسؤولين الخليجيين صراحة إلى أن بلداننا تواجه مشكلات جراء محاكاة الدولار، حيث لا أحد يعرف إلى أي مدى ستستمر الولايات المتحدة في رفع سعر الفائدة، بينما يشهد الاقتصاد الخليجي معدلات نمو متسارعة مع ارتفاع أسعار النفط. وفي هذا العام ارتفع اليورو إلى 23 ,1 مقابل 17 ,1 دولار في الخريف الماضي.

ولتتضح الصورة أكثر لنحاول رسم اللوحة من أفواه كبار رجال الاقتصاد والأعمال الأميركيين. المستثمر الأسطوري وورن بافيت قال في تقريره لحملة أسهم شركة «بركشاير هاثواي» التي يرأسها بأن الشركة خسرت 955 مليون دولار خلال عام 2005 بسبب تدهور الدولار، وستتواصل الخسائر هذا العام.

أما الاقتصادي ورجل المال الأميركي الشهير جورج سوروس فيحذر من أن انكماشا كبيرا سيضرب الاقتصاد الأميركي في موعد لا يتعدى عام 2007. العجز الأميركي المزدوج يتفاقم، وقد بقي الدولار متكئا على عاملين فقط : سياسة سعر الفائدة والمشكلات الداخلية في منطقة اليورو.

لكن أوروبا على المدى البعيد ستبدو أفضل مما عليه الآن، وإذا كان اللعب بأسعار الفائدة يعزز موقف الدولار حالياً، يرى سوروس أنه سيتحتم على ارتفاع سعر الفائدة الأميركية أن يتوقف في النصف الثاني من هذا العام، وعندها سيتبارز الدولار وجها لوجه مع اليورو.

ولا يشك حصيف أن النصر معقود لليورو، خصوصا وأن جان كلود، رئيس المصرف المركزي الأوروبي قد أرسل إشارة واضحة بأن ارتفاعا كبيرا في سعر الفائدة على اليورو قد يحدث في شهر يونيو المقبل.

الوضع في السنوات الأخيرة مع الدولارات في العالم كالتالي: لا أحد يرغبها، لكن لا أحد يقدم على التخلص منها. المصارف المركزية الآسيوية (الصين، اليابان والهند) تسبح في الدولارات التي تعرف أنها تتهاوى. ويعرفون أيضا أنهم إذا ظلوا محتفظين بها، فإن قيمتها ستتضاءل، وإذا باعوها ستتضاءل أكثر.

أما إذا كانوا سيشترون كميات أكبر من الدولار لكي يدعموه، ويدعموا بالتالي دخولهم المقومة بالدولارات ( الوهمية في أكثرها)، فإنهم فقط سيؤخرون الأجل المحتوم، ليصطدموا بمشكلة أكبر فيما بعد. وقد يبدو الأمل الوحيد في نهوض إقراضي في الاقتصاد العالمي، لكننا جميعا ندرك أنه من هبات الموجات الإقراضية بالذات انطلقت هذه الظواهر.

يمكن المراهنة على إدخال اليورو كمكون في احتياطات العملة الخليجية، لكن يبقى البديل الحقيقي واحدا فقط: وهو استبدال احتياطاتنا من الدولارات بالذهب.

والمسألة لا تخلو من تعقيد. فمبادلات الدولارات بعملات أخرى أو بطاقات إنتاجية ستواصل سحق سعر الدولار، بينما أسعار الأصول الفعلية ستأخذ في الارتفاع ما بقي الدولار يمتص العملات الأخرى في حفرة انخفاض سعره. وصحيح أن الشيء نفسه سيحدث عندما نشتري الذهب، لكن مع فرق حاسم :

ارتفاع سعر الذهب المتواصل سيعوض، وأكثر، عن انخفاض الدولار جراء شراء الذهب، لأن «أداء» الذهب لن يعتمد على أداء أي من الاقتصادات.

سنشتري بكل دولار ذهبا اقل مما نتوقع، لكن كل طن إضافي نشتريه سيعني قيمة أكبر من سابقه، وهكذا حتى نصل في لحظة ما إلى نقطة التعادل. وبتواصل العملية سيصبح سعر الدولار مقارنة بالذهب مجرد خيال.

وإن أي شخص مرتبط بالحقائق الاقتصادية يعرف أن النقود الورقية دائما أغلى بما لا يقاس من قيمتها الحقيقية. ولعلنا نلحظ الآن أن سعر الذهب قد زاد على ضعفه منذ عام 2001 ليتخطى 500 دولار للأونصة.

وكما يقول الدكتور إيكارت ورتز، مدير البرنامج الاقتصادي في مركز الخليج للأبحاث في دبي، انه في حين أبدى المواطنون والمقيمون في بلدان الخليج حكمة بالإقبال على شراء الذهب لم تفعل المصارف المركزية الشيء ذاته. بل ان أربع دول هي الإمارات، عمان، قطر والبحرين قد باعت كل ما لديها من ذهب تقريباً.

بالمقابل نستفيد من تحليلات بعض كبار الاقتصاديين مثل أليكس فالينفاين الذي يرى أن المصرف المركزي الذي سيبدأ هذه اللعبة مبكرا سيربح أكثر (مثال الصين وروسيا). أما المصرف الذي سيلتحق باللعبة متأخرا فقد يخسر ليس المال فقط، بل و«يربح» مصيرا محفوفا بالمخاطر.

كاتب بحريني