فعلت الولايات المتحدة خيراً، عندما أعلنت عن أنها لن تشارك في عمل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي أعلن عن إنشائه في 15 مارس الماضي.
ويفترض به أن يحل محل مفوضية حقوق الإنسان التي فقدت مصداقيتها بسبب انتماء دول إليها تنتهك حقوق الإنسان بشكل مفضوح، وبررت واشنطن ذلك القرار بأن «مجلس حقوق الإنسان الجديد لا يقدم ضمانات كافية لاستقلاليته».
ونقول إنها فعلت خيراً لأسباب عديدة للغاية، أهمها إن الولايات المتحدة فقدت مصداقيتها في هذا المجال، بل وتشوهت صورتها للغاية، جراء الكثير من الممارسات التي تتناقض مع حقوق الإنسان، مثل احتلالها للعراق وفضائح سجن أبوغريب وغوانتانامو.
والفضيحة الأحدث التي لا تزال تتردد أصداؤها حتى هذه اللحظة، وهي فضيحة الرحلات السرية، التي يتم فيها إرسال المشتبه بقيامهم بأعمال إرهابية، إلى دول أخرى بغير وجه قانوني للتعذيب والاستجواب.
فقد كشفت منظمة العفو الدولية « امنستي » قبل أسبوع معلومات جديدة عن هذه الرحلات التي تنظمها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية(سى اي ايه) لاستنطاق معتقلي «الحرب على الإرهاب»، مؤكدة أنها وصلت إلى حوالي 1600 رحلة، أغلبها استعمل المجال الجوي الأوروبي، لكن أيضا المجال الجوي لدول بالشرق الأوسط وآسيا.
وتشير هذه المنظمة في تقريرها المطول بعنوان «تحت الرادار: رحلات سرية الى التعذيب والاختفاء» إلا أن (سى اي ايه) لم تخرق فقط القانون الدولي المتعلق بمنع التعذيب، لكن أيضاً قوانين الطيران المدني، بلجوئها في تغطيتها لعملياتها إلى خدمة شركات خاصة تؤجر طائراتها ولا تستفسر كثيرا فيما ستستخدم.
والواقع أن هذه الفضيحة لم تؤذ الولايات المتحدة فقط، بل أيضاً الكثير من حلفائها في أوروبا، فقد كشفت وثيقة مسربة تعود للخارجية البريطانية في يناير من عام 2006 عن أن الولايات المتحدة استخدمت مطارات المملكة المتحدة ومجالها الجوي لنقل أشخاص اعتقلتهم واشنطن في حربها على الإرهاب العالمي.
وجاء الكشف عن هذه الوثيقة بعد معلومات صحافية قالت إن الطائرات الأميركية التجارية التي استخدمت في عمليات نقل المعتقلين الخاصة حطت في المطارات البريطانية في 210 رحلات، وذلك بعد هجمات سبتمبر.. بعضها كانت رحلات خاصة تابعة للحكومة الأميركية في مهام غير محددة.
وبعضها مرتبط بدرجة كبيرة بسياسة الترحيل الخاصة التي تقوم على نقل المعتقلين وتسليمهم إلى دول معروفة بتطبيق عمليات التعذيب على السجناء، وفي حالات أخرى كانت عمليات اختطاف لمشتبه بهم وتسليمهم لدول تمارس التعذيب.
واثر تفجر هذه الفضيحة أعلن البرلمان الأوروبي عن إنشاء لجنة للنظر في عمليات المخابرات الأميركية، وترحيلها للسجناء واعتقالهم في مراكز تعرف باسم النقاط السوداء.
وهى عبارة عن سجون أميركية على أراضى بعض الدول الأوروبية. وهدد البرلمان باتخاذ إجراءات سياسية ضد أي دولة أوروبية يثبت أنها متورطة في هذه العمليات.
ولم تنكر الولايات المتحدة هذه الفضيحة، بل اعترفت بها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أثناء زيارتها الأوروبية في ديسمبر 2005، رغم نفيها أن تكون بلادها نقلت معتقلين في رحلات خاصة للتحقيق معهم .
واستخدام التعذيب ضدهم. واعتبرت الإجراءات هذه خيارات صعبة تقتضيها المعركة في مكافحة الإرهاب، وقالت إن عمليات الترحيل الخاصة، أدت لإنقاذ حياة ألوف الأميركيين، على حد تعبيرها.
أما منظمة « هيومن رايتس ووتش» الأميركية لحقوق الإنسان، فقد فضحت من جانبها الانتهاكات الأميركية لحقوق الإنسان، وشددت في تقريرها السنوي السادس عشر للعام 2005، بصورة خاصة على ما أسمته النفاق في الخطاب الأميركي إذ تعتبر المنظمة أن رسالة واشنطن للعالم هي «طبقوا ما أدعو إليه وليس ما أقومبه».
وذكرت أن لجوء الحكومة الأميركية إلى التعذيب ودفاعها عنه كانا من العوامل الأساسية التي جعلت هذا البلد يفقد مصداقيته على صعيد حقوق الإنسان.
هذا إذن غيض من فيض، ومن ثم فإن ابتعاد واشنطن عن عمل هذا المجلس ربما يكون في صالحها أولاً، إذ سيجعلها تعيد النظر في الكثير من السياسات التي تمارسها، وبالتالي تصحح الأخطاء التي ارتكبتها على مدار الأعوام السابقة، على الأخص في العراق .
وفي المعتقلات التي أقامتها هناك ،إضافة إلى أفغانستان وغوانتانامو، كما انه سيكون في الوقت ذاته فائدة لهذا المجلس المنوط به الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم ومراقبة الانتهاكات التي تحدث لها، الأمر الذي يرسل إشارة جادة إلى جميع دول العالم مفادها أن الجميع « تحت الرادار ».
ومن ثم فإنه لن يتم أبداً السكوت عن أي انتهاكات لحقوق الإنسان المهدرة في العديد من المناطق وبشكل يخجل له الضمير الإنساني العالمي، وتنأى عن قبوله كل الشرائع والأديان السماوية، التي ترفض مثل هذا المس بحرية وكرامة الإنسان.