ما بين غضبة الرئيس الفرنسي «جاك شيراك» من أجل اللغة الفرنسية أواخر الشهر الماضي وهبَة أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمارات من أجل اللغة العربية أوائل هذا الشهر علاقة في الجوهر وإن اختلف المظهر، وبينهما تشابه يعيدنا إلى مربع اللغة الأم من جديد مهما حاولنا الابتعاد عن هذا المربع يأسا أو إحباطا أو شعورا بأننا نؤذن في «مالطا» أو ننفخ في قربة مثقوبة كما يقولون.
وإذا كان «شيراك» قد شعر بصدمة حقيقية دفعته إلى مغادرة اجتماع القمة الأوروبية لدى سماعه مواطنه الفرنسي «أرنست أنطوان سيلييه» رئيس لوبي الأعمال الأوروبي يلقي كلمته بالإنجليزية، فلأن الرئيس الفرنسي سليل الشعب الذي أصدر قانونا خاصا لحماية لغته.
وقاد حملة للتصدي لإدراج الثقافة ضمن اتفاقية التجارة العالمية. ولذلك فضل «شيراك» ووزيرا الخارجية والمالية المرافقان له مغادرة القاعة حتى لا يستمعا إلى مواطنهما «سيلييه» يتحدث بالإنجليزية.
وهو الذي حاربت بلاده طويلا لضمان التحدث بالفرنسية في المؤسسات والمنظمات الدولية، من الاتحاد الأوروبي إلى الأمم المتحدة إلى الألعاب الأولمبية، ليس لأن في ذلك مصلحة قومية لفرنسا فقط.
ولكن للثقافة والحوار بين الثقافات كما يقول «شيراك» الذي يؤكد أنه لا يمكن بناء عالم اعتمادا على لغة واحدة وثقافة واحدة، منكرا على «سيلييه» تخليه عن لغته التي هي موضع اعتزاز حتى لو كانت الإنجليزية لغة الأعمال والاقتصاد كما قال مبررا اختياره لها عندما قام بإلقاء كلمته.
وعلى المنوال نفسه نسج أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمارات عندما دعوا إلى إعادة النظر في تدريس مساقات كلية العلوم الإنسانية باللغة الإنجليزية مطالبين بالعودة إلى تدريسها باللغة العربية، مؤكدين أن اللغة الإنجليزية ليست سببا للتطور.
وأننا نغالط أنفسنا إذا اعتقدنا أن لغتنا ليست لغة تدريس أكاديمية، مستشهدين بأن هناك العديد من الدول المتقدمة علميا لا تعتمد اللغة الإنجليزية في تدريس طلابها.
وقد حافظت على هويتها وثقافتها، كما أن هناك دولاً أحيت لغات ميتة، وأعادت الاعتبار للغاتها القومية باعتمادها للتدريس في الكليات والمعاهد والجامعات، داعين إلى إعادة النظر في موضوع امتحانات «سيبا» التي فرضت على طلاب الثانوية العامة كشرط لدخول الجامعات مما يعني وجود مشكلة كبيرة مع بداية العام المقبل لدى الطلاب الذين لن يجتازوا هذه الامتحانات.
إرهاصات هذه المشكلة ظهرت في مجموعة من مدارس مدينة العين الثانوية الأسبوع الماضي حيث سادت حالة من الصدمة والإرباك والتوتر أوساط الطلبة وأولياء الأمور وإدارات المدارس عندما أعلنت نتيجة امتحانات «سيبا» التي تم إبلاغ الطلبة بها عبر رسائل نصية.
مما خلق حالة من القلق والإحباط لدى الطلبة الذين لم يتلقوا رسائل أو الذين لم يحققوا نسبة النجاح المقررة وهي 150 درجة من مجموع الدرجات البالغة 300، مما يعني عدم تمكنهم من دخول الجامعة مهما كانت معدلاتهم في الثانوية العامة.
وقد سبق أن أجريت تجربة في مدارس أبوظبي منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي، حيث أدى 42 طالبا من القسمين العلمي والأدبي اختبارا تجريبيا في «سيبا» حقق 15 طالبا منهم فقط 150 درجة فما فوق بينما أخفق الباقون في تحقيق الحد الأدنى المطلوب من الدرجات.
أي أن نسبة النجاح لم تتجاوز 36% من مجموع المتقدمين! فهل من العدل والمنطق أن يتوقف دخول أبنائنا وبناتنا جامعاتنا الوطنية على نتيجة اختبار مستوى إجادتهم للغة الإنجليزية، حتى لو كانت التخصصات التي سيدرسونها لا علاقة لها بهذه اللغة؟!
لا شك أن نتائج هذه التجارب والاختبارات تعطي مؤشرا على ضعف اللغة الإنجليزية لدى طلبة المدارس الحكومية لدينا.
ونحن لا نختلف مع القائلين بأن الاهتمام بهذه اللغة مطلوب لأنها لغة العلم والعصر رغم أن شعوبا كثيرة قد تقدمت معتمدة على لغاتها الأم.
ومع ذلك نقول إن للاهتمام برفع مستوى إجادة اللغة الإنجليزية لدى أبنائنا وسائل أخرى ليس من بينها كما نعتقد ونرى أن تفرض على مدارسنا وجامعاتنا كلغة وحيدة للتعلم ومدخل لهذه الجامعات لا يمكن العبور إلا من خلاله.
لأن هذا سيكون دون شك على حساب لغتنا العربية التي ستُهمَّش أكثر مما هي مُهمَّشة الآن، وستموت كما ماتت لغات كثيرة أهملها أهلها وتجاهلوها، وفضلوا لغات أخرى عليها بدعاوى مختلفة.
غضبة «شيراك» وهبّة «أعضاء هيئة التدريس بجامعة الإمارات» من أجل اللغات الأم تفتحان الباب من جديد للحديث عن هوان لغتنا العربية علينا واعتزاز الشعوب والأمم الأخرى بلغاتها، وحرصها على حمايتها وإحياء الميت منها.
وليس أدل على ذلك من حال اليهود الذين أحيوا لغتهم «العبرية» الميتة واعتبروها مقدسة كالتوراة، وحافظوا على أبجديتهم خلال سنوات الشتات، رغم أنها انبثقت من لغة أخرى هي الآرامية، ولم تستخدم العبرية إلا فترة وجيزة من تاريخ العبرانيين في فلسطين.
ومع ذلك يقول عنها «أليعازر بن يهودا» الذي عمل على تخليصها من الشوائب: «حياة إسرائيل في روحها، وهذه الروح موجودة فقط في التوراة، ولا يمكن التعبير عن هذه التوراة إلا بلغة الناس نفسها.
لذا إذا تخلينا عن لغتنا فإننا تخلينا عن روحنا، وبالتالي حكم علينا بالموت». وهاهي إسرائيل تتقدم علينا علميا وعسكريا واقتصاديا رغم عدم تخليها عن لغتها الأم، بل واعتزازها وتمسكها بها.
ليست اللغة هي مجرد هذه الحروف التي تكتب، ولا هي تلك الأصوات التي تنطق، بل هي ذاكرة أمة، ومنهج تفكير، وأسلوب حياة، وناقل حضارة، وجسر تواصل بين الأجيال، فإذا ماتت اللغة انقطعت الفروع عن الأصول، وجفت منابع الروح فما عاد في جسد الأمة حياة.
ولهذا فقد حرص المستعمرون في كل العصور على نشر لغاتهم وفرضها على سكان البلاد التي كانوا يحتلونها، ولأن الشعوب تدرك ذلك فقد كان أول قرار يتخذه أهل تلك البلاد بعد تحريرها من المحتل هو إعادة لغتهم إلى الحياة وبعثها من جديد، بعثاً يعيد إلى الأمة روحها وهويتها التي يراد تدميرها.
حدث هذا للكوريين الذين استعمرهم اليابانيون ستين سنة، منعوا خلالها استخدام اللغة الكورية وفرضوا لغتهم، فلما حصلت كوريا على استقلالها واستعادت حريتها كان أول مرسوم يصدر في أول عدد من الجريدة الرسمية هو مرسوم منع استخدام اللغة اليابانية، ليعيد إلى اللغة الكورية كرامتها التي أُهدرت مع استباحة أرضها.
ولأن جيلا كاملا من الكوريين كان قد فقد صلته بلغته الأم إبّان احتلال اليابان لكوريا فقد انطلق من بقي على قيد الحياة من كبار السن يلقنون الأجيال الجديدة لغتهم الأصلية ليحافظوا على هويتهم التي أراد المحتل أن يطمسها، ولسانهم الذي أراد أن يغيره.
ربما اعتقد البعض أن في دعوتنا إلى المحافظة على لغتنا الأم والاهتمام بها وجعلها لغة التعليم الأولى حثاً على إهمال اللغات الأخرى وعدم الاهتمام بها.
وهذا ظن ليس في محله، لأن تمسك الأمم والشعوب بلغاتها الأم لا يعني إهمالها للغات غيرها، والدليل هو ما شهدته حركة الترجمة عبر التاريخ من نشاط كان سببا في ازدهار العلوم والآداب والفنون بين الشعوب.
مما يعني أن تلاقح الثقافات والتواصل بين الأمم لا يقومان على إلغاء لغات مقابل لغات، وإنما على انتقال الأفكار ومختلف أشكال الإبداع دون المساس بلغاتها الأصلية أو دفعها إلى الصفوف الخلفية لتأخذ لغات بديلة مكانها.
لقد نجح اليابانيون في حفظ لغتهم التي تحوي 2600 حرف، وتمكن الصينيون من صون لغتهم التي تتكون من 2200 حرف، فهل نعجز- نحن العرب - عن حماية ثمانية وعشرين حرفا، في حياتها حياة لنا، وفي استمرار نزفها موت وهلاك لأمة أعزها الله فأنزل كتابه الكريم بلغتها؟
aliobaid2000@hotmail.com
كاتب إمارات
