كما كان متوقعاً منذ البداية حذا الاتحاد الأوروبي حذو الولايات المتحدة، وقرر تعليق المساعدات المالية البالغة 500 مليون يورو للفلسطينيين، بحجة عدم اعتراف حركة حماس بـ«إسرائيل».
هذا الإجراء الأوروبي الجديد هو أولاً وقبل كل شيء غير منصف، ولا يمكن النظر إليه إلا من هذه الزاوية مهما قيل من مسوغات.
أوروبا تتحمل مسؤولية مباشرة أساسية عن مأساة الشعب الفلسطيني، وهذه حقيقة تاريخية مثبتة لا يمكن نكرانها، إذ يعرف القاصي والداني أن الدول الأوروبية الاستعمارية هي التي أقامت «إسرائيل» على الأرض الفلسطينية.
وتاريخ هذه الواقعة محفور في الذاكرة، ويعود إلى ثمانية وخمسين عاماً فقط، ولا تزال أجيالها على قيد الحياة.
إضافة إلى ذلك، وإذا سلمنا بالسبب الأوروبي المقدم لقطع المساعدات عن الفلسطينيين، تبرز على الفور مجموعة من الأسئلة التي لا تلقى أجوبة مقنعة منها: لماذا يطلب من حماس الاعتراف بـ«إسرائيل» ولا يطلب العكس؟ أي أن تعترف «إسرائيل» بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة؟
ولماذا يكافأ المعتدي ويعاقب المعتدى عليه؟ ولماذا لا تساءل «إسرائيل» على عدوانها المستمر، وخرقها لقرارات مجلس الأمن الدولي، وتمردها على الشرعية الدولية، وارتكابها جرائم حرب يومية ضد الفلسطينيين؟
لماذا ولماذا.. والسلسلة طويلة لا تنتهي، والأجوبة تظل المزيد من الدعم لـ«إسرائيل»، والتغاضي عن جرائمها حتى وإن كانت قتل طفلة وهي في طريقها إلى المدرسة، أو داعية سلام أوروبية جاءت إلى الأراضي المحتلة لتخفف من معاناة الفلسطينيين قدر استطاعتها، وهذا يحدث كثيراً في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويشاهده المسؤولون الأوروبيون على الفضائيات.
في الواقع المطلوب من أوروبا ليس تقديم المساعدات المالية فحسب، بل الانخراط مباشرة وبشكل جاد في عملية سياسية تنهي الاحتلال الإسرائيلي، وتعيد الحقوق للشعب الفلسطيني، وتطوي هذه الصفحة السوداء من تاريخ السياسة الأوروبية في المنطقة، فأوروبا مدينة للشعب الفلسطيني وليس العكس، والأمر هنا لا يقتصر على بضعة ملايين «يوروات» سنوياً بل يتعدى ذلك إلى المسؤولية الأخلاقية عن مأساة الشعب الفلسطيني، وإلى التقصير في دعم عملية السلام، التي من خلال تحقيقها فقط يمكن رد الاعتبار للشعب الفلسطيني.
مع الإشارة هنا إلى أن الأوروبيين على دراية تامة بازدواجية سياسات حكوماتهم، ويدركون أن أي دعم لـ«إسرائيل» يعني الضغط على الفلسطينيين، والابتعاد عن السلام العادل، وهم الذين أكدوا في استطلاع الرأي الشهير أن «إسرائيل» أكبر خطر على السلام العالمي.