ما يجري في الساحة الفلسطينية من جرائم قتل بشعة تطول الفلسطينيين على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية، دليل على أمرين لازما هذه القضية المزمنة منذ بداية الجرح الفلسطيني، الأمر الأول هو، وحشية المحتل، وعدم احترامه للمواثيق الدولية، ورغبته في القضاء على الشعب الفلسطيني وتحطيمه أو تشتيته.
أما الأمر الثاني، فهو حالة اللامبالاة غير المبررة، التي يبديها الغرب تجاه هذه الوحشية، مما يعطي الضوء الأخضر للمعتدين في الاستمرار بجرائمهم، التي يتفنن في ارتكابها الإسرائيليون، فتارة بالقصف الجوي، وتارة أخرى بالقصف المدفعي والأسلحة الرشاشة.
وهذه الأيام، يظهر بوضوح أمر ثالث يزيد من حالة الغليان في الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي، وهو إصرار الغرب على معاقبة المعتدى عليه، ومباركة المعتدي، ضاربا بذلك ما يتغنى به من مبادئ ديمقراطية عرض الحائط.
فقطع المعونات المالية عن الحكومة الفلسطينية الجديدة التي تقودها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ما هي إلا معاقبة للفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي.
فحماس دخلت في العملية السياسية، وارتضت بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع في تنافس مع حركة التحرير الفلسطينية (فتح) وقد شهد المراقبون الدوليون بنزاهة الانتخابات التي جرت منتصف يناير الماضي، وبالتالي، ليس هناك من شك في أن وصول حماس للسلطة إنما جاء بإرادة شعبية أثبتتها صناديق الاقتراع.
ولطالما نادى الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية بضرورة دخول حماس في العملية السياسية، وممارسة اللعبة الديمقراطية وفق المعايير الغربية، ولكن فور أن ظهرت النتائج التي لم ترض عنها دولة الاحتلال، بدأ الغرب في التهديد والوعيد إن لم ترضخ حماس للشروط الإسرائيلية المجحفة.
وعلى الرغم من أن حماس دخلت في هدنة مع الدولة العبرية، واحترمت هذه الهدنة، وأخذت تتحدث عن مدها والدخول في هدنة طويلة، على الرغم من ذلك، استمرت الضغوطات الدولية ضد الفلسطينيين، وقطعت عنهم المعونات المالية، لتجويعهم أمام مرأى ومسمع من المنظمات الإنسانية الدولية.
ولا يبدو في الأفق أن ثمة تراجعا في الموقف الغربي تجاه قطع المساعدات الملحة عن الفلسطينيين، وبالتالي، لا بد من التعويل على المساعدات العربية والإسلامية، حكومات وشعوبا، حتى لا يقع الفلسطينيون فريسة الجوع والفقر المدقع، زيادة على ما هم فيه من فقر وحرمان وقهر.
وهو الأمر الذي قد يسوق الفلسطينيين نحو فتنة داخلية، بسبب حدة الأوضاع الاقتصادية، واختلاف الرؤى حول سبل حلها والخروج من الأزمة الحالية.