شاءت الظروف أن أكون أسير التلفزيون خلال الأيام الماضية، فعقدت صحبة مع جهاز التحكم، وتنقلت ما بين «عربسات» و«نايلسات» وشهدت العجب العجاب.
بداية اكتشفت أنني أعيش تخلفاً فضائياً، اعترف بذلك بعد ان عشت عامين أو أكثر وحدودي عشر محطات، قد تزيد واحدة أو اثنتان حسب الأحداث والمتابعات، وركزت على ثلاث للأخبار، ومثلها للأفلام، وأربع محطات محلية، واثنتين للرياضة.
وكنت مكتفيا، خاصة بعد ظهور أشرطة الرسائل والمواعيد بقيادة النجوم وأخواتها، والهرب من التحسر والتذمر و«لعن سلسفيل أبو التقنية الحديثة» فاشتريت راحة الأعصاب، حتى كانت المفاجأة بمدى تأخري عن متابعة مثل هذا التطور ولو من باب العلم بالشيء وحب الاستطلاع.
إن ما يحدث في الفضائيات، وبقرار رسمي من إدارتي القمرين المملوكين للدول العربية، لا يعتبر خلطا للحابل والنابل، وهو ليس استيعابا للغث والسمين، والجيد والرديء.
وليس من ذلك المسلك الذي ندعو له ونضحي من اجله، وهو مبدأ الحرية والاستقلالية لوسائل الإعلام، لا، فهذا شيء آخر، القصد منه واضح ومعلوم، والهدف كذلك، ولا تعدو ان تكون النية الدفينة مختصرة في الطريقة والنوعية والاستهداف.
وقد يظن الواحد منا ان الكبت الذي عانينا منه هو الذي أطلق الرغبات من عقالها، وقد تكون الإدارات التي تمسك بزمام الأمور في الأقمار العربية غير مستوعبة لمهامها وحدودها.
وقد يكون الجانب المالي هو الذي احدث الخلل، فالسادة يريدون ان يستردوا قيمة الأقمار ويربحوا من ورائها على اعتبار أنها مشاريع ربحية، ولكن كل ذلك الظن يزول بمجرد الجري خلف «الريموت» وهو ينتقل ما بين المصائب والمصائب.
ويختفي كل الظن اذا علمنا ان قيمة تأجير قناة فضائية في أحد القمرين لا توازي ربع قيمة التأجير في الأقمار الأخرى، وان هناك قيودا أخلاقية تلزم بها الدول المالكة للأقمار الصناعية مستخدمي القنوات، وان عقودها معرضة للإلغاء في لحظة خروجها على تلك الأخلاقيات والمبادئ، إلا عند أقمارنا الصناعية العربية، لا حدود غير الحدود السياسية.
ولا قيود غير القيود المرتبطة بالأنظمة المحلية، ومن بعدها كل شيء مباح بقصد الإلهاء وشغل فكر الشباب، وتشتيت عقولهم، وإضاعة أوقاتهم، ومشاغلة غرائزهم، والانحدار بهم إلى عالم أسود مليء بالرذائل.