كما تفوقت المقاومة اللبنانية المسلحة على الحكومات العربية والإسلامية في الحرب، تتفوق الشعوب على الحكومات في السلم.
المقاومة اللبنانية الشعبية المتمثلة في «حزب الله»، وقواته الضاربة، سجلت أول انتصار عربي على إسرائيل، مما اضطرها إلى إجلاء قواتها نهائياً من الجنوب اللبناني.
أما على صعيد السلم فإن المقاطعة العربية والإسلامية الشاملة لمنتجات الشركات الدنماركية في أعقاب إساءة وجهت إلى شخص نبي الإسلام محمد «صلى الله عليه وسلم»، في صحيفة دنماركية اضطرت أكبر شركة دنماركية لإنتاج الأغذية إلى اتخاذ إجراءات صارمة، من بينها استنكار علني لمسلك الصحيفة.
هكذا تثبت الشعوب لنفسها أنها إذا شحدت إرادتها فإنها تستطيع أن تنجز حتى بالوسائل السلمية الجماعية البسيطة ما تتهيب الحكومات الإقدام عليه.
فمع تواصل حملة المقاطعة الشعبية ضد الشركات الدنماركية، واتساع نطاقها، فاجأت شركة «آرلا فودز» جماهير قراء الصحف العرب بنشر إعلان على صفحة كاملة في صحف عربية عدة يتضمن استنكاراً صريحاً، وإدانة للصحيفة التي أساءت إلى الرسول الكريم.
ثم ذهبت الشركة أبعد من ذلك فأعلنت أنها سترعى مؤتمراً عالمياً عن الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» «من أجل فهم أفضل بين أديان وثقافات العالم».
ورد هذا في سياق بيان من الشركة نشر على مساحة صفحة كاملة في جريدة «الشرق الأوسط» اللندنية، وتضمن هذا البيان أيضاً أن الشركة قررت تخصيص نسبة من مبيعاتها لمشاريع خيرية في مجالات مثل علاج مرضى السرطان ومساعدة ضحايا المجاعة في إفريقيا ودعم المعاقين.
لقد تبنَّت الشركة هذا التوجه الفريد بعد أن أفضت حملة المقاطعة الشعبية إلى مؤتمر إسلامي عقد في البحرين الشهر الماضي، بمشاركة 300 شخصية من العلماء الإسلاميين والدعاة ورؤساء جمعيات إسلامية، حيث أوصى المؤتمر في بيانه الختامي باستثناء منتجات «آرلا» من المقاطعة بعد أن أصدرت بيانها الأول الذي شجبت فيه الصحيفة الدنماركية.
من ناحية أخرى، ثبت أن للمقاطعة العربية والإسلامية تداعيات إضافية داخل الدنمارك نفسها، فقد تبنّت القناة التلفزيونية العامة الدنماركية برنامجاً حوارياً عن الإسلام والغرب، يتبادل فيه المشاركون وجهات نظر مختلفة على نسق موضوعي وعلمي، ومن اللافت أن مقدمة البرنامج المنحدرة من أصل عربي ترتدي أثناء عرض البرنامج الحجاب الإسلامي.
وفي وجه معارضة ضد البرنامج من منظمات دنماركية دافع المسؤولون في القناة عن برنامجهم باعتبار أنه يؤمن التعددية الثقافية، قائلين في الوقت نفسه إن النساء المحجبات يشكلن جزءاً من المجتمع الدنماركي، «وعلينا أن نأخذ ذلك في الاعتبار».
إن هذه انتصارات لا يمكن الاستهانة بها والتقليل من شأنها خلال وقت قياسي، مما يؤدي بالتداعي المنطقي إلى تساؤل: لماذا توقفت المقاطعة العربية ضد إسرائيل؟
إنه سؤال يوجه إلى الحكومات العربية، وليس إلى شعوبها. فالمقاطعة في مثل هذه الحالة تعني مقاطعة الشركات العالمية التي تتعامل مع إسرائيل بحرمان هذه الشركات من مشروعات المناقصات والعطاءات، ذات الطبيعة الإنشائية والخدمية..
هذه مسؤولية حكومية صرف.