الأيدي العابثة التي جمدت حزب العمل، ومن قبل مصر الفتاة، هي نفسها المسؤولة عن أزمة حزب الوفد الذي يعتبره البعض معقل الليبرالية المصرية. فقد تحول الحزب بين عشية وضحاها إلى ساحة للشجار.

والمعارك التي استخدمت فيها جميع الأسلحة المحرمة بين الناس العاديين، فما بالنا بين رفقاء العمل العام والساعين إلى قيادة الوطن وأصحاب اكبر كتلة نيابية معارضة ذات يوم في البرلمان.

انتقل الدكتور نعمان جمعة المناضل الوطني، وأستاذ القانون وعميد كلية الحقوق في جامعة القاهرة العريقة، إلى متهم بالبلطجة والشروع في القتل، بعد أن تشبث الرجل الذي تخطى السبعين بكرسي زائل.

وانهمك مع خصومة في حرب ضروس، لم تبقي على حبال الرفاقة السياسية والاجتماع حول أفكار مشتركة، فكانت النتيجة دخول أقفاص الاتهام، بعد أن خرج الخلاف من دائرة الصراع القانوني السلمي على توزيع المناصب إلى قاعات المحاكم الجنائية.

تحول الوفد سواء اختلفنا مع ما يطرحه من رؤى واجتهادات أو اتفقنا، من أمل في معادلة التغيير والإصلاح السياسي المنشودة، إلى رقعة في ثوب الحياة الحزبية.

وباتت صورته المشوهة نموذجا يمكن أن يستخدمه خصوم المعارضة على اختلاف جبهاتها، للتدليل على فشل أحزاب المعارضة بعد مرور نحو ثلاثة عقود على التجربة الحزبية، في صنع ما ينفع الناس، أو يقدم لهم بارقة أمل في غد أفضل.

لا احد يعفي قيادات الوفد التي وقعت في فخ التناحر على مقعد الزعامة، من تحمل جانب من مسؤولية ما حدث في مقر الحزب صاحب الجذور التاريخية الممتدة إلى ثورة 19 بزعامة سعد زغلول.

وتناسى الجميع تحت وطأة لحظة الضعف الراهن في الحركة السياسية المصرية، حق المصريين عليهم في تأدية الواجب الوطني، الذي تمليه التحديات التي تواجه مصر وأمتها في هذا الظرف العصيب المحيط بمنطقتنا.

بالقطع لم يكن احد في مصر يتمنى أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه داخل الوفد، باعتبار أن ما حدث بالخصم من التجربة الحزبية التي اعتبر البعض أنها أشرفت على النهاية مع الأحداث الدراماتيكية التي جرت في مقر حزب الوفد، لكن المتتبع لمجريات الأمور.

لابد وانه كان يتوقع مثل هذه الخاتمة المأساوية للاحتقان السياسي الذي مر به الوفد، كما تعيشه باقي أطراف المعارضة السياسية في مصر.

ونحن عندما نتهم أطرافا بعينها بالمسؤولية إلى جانب قادة الوفد أنفسهم عما جرى، لا نقصد الانحياز لاتهامات جمعة بالتآمر من خارج الحزب عليه، فقد عبثت الحكومة في فترات سابقة بغالبية الأحزاب.

فجمد بعضها وانزوى البعض الآخر في مقر من غرفتين وصالة في احد الأزقة المتوارية عن العيون. ويخطئ الحزب الوطني الحاكم إذا ظن انه سيكون بمنأى عن النيران التي أشعلت في حجرات الأحزاب المعارضة وكان آخرها الوفد.

وربما تكون الصراعات بين ما يسمى بالحرس القديم، والحرس الجديد التي أخذت طرقها إلى العلن في الفترة الأخيرة مقدمة لما هو أسوأ، وهو ما ستدفع ثمنه في النهاية التجربة الحزبية المصرية بشكل خاص، والشعب المصري بشكل عام.

لم تعد هناك ضمانه ألا تنقلب الأيدي التي تعبث بالأحزاب المعارضة على نفسها، فنرى وقتها العجب العجاب، وبما يخلف صورة ضبابية لابد أن يخشاها الجميع، ويحذر منها كل ذي عقل، لان اللعب بمستقبل الأوطان، لا يجب السكوت عنه.

ما حدث في حزب الوفد نذير شؤم كنا نعتقد أن الحراك السياسي الذي شهدته مصر بعد الانتخابات الرئاسية التعددية لأول مرة، والانتخابات التشريعية رغم بعض عيوبها، سيكون بوابة، للإفلات من أنفاقه المظلمة.