المشهد كان حزيناً إلى حد المأساة، رئيس حزب الوفد بكل تاريخه يخرج من مقر الحزب مقبوضاً عليه بأمر النيابة، وفي عربة مدرّعة جاءت بها الشرطة لكي تخرجه هو وأعوانه القليلين خوفاً على حياتهم من معارضيه المحتشدين في مقر الحزب، بعد كل ما جرى في هذا اليوم الذي لن يخرج من ذاكرة الحياة السياسية والحزبية في مصر.
والرجل الذي كان قبل شهور مرشحاً لرئاسة مصر متهم الآن بعدة اتهامات خطيرة أقلها البلطجة وأهمها الشروع في القتل.
وهي نهاية لم يكن من الممكن لأحد أن يتوقعها لأستاذ القانون الذي أنهى دراساته العليا في جامعات فرنسا ثم قام بالتدريس بها لسنوات قبل أن يعود لمصر ليواصل حياته العلمية بتفوق، محامياً كبيراً.
وعميداً لكلية الحقوق بجامعة القاهرة اعرق الجامعات المصرية، ثم ليقوم بالدور الأكبر في النضال القانوني من أجل عودة حزب الوفد للحياة السياسية ويصبح الرجل الثاني في الحزب بعد فؤاد سراج الدين تمهيداً ليخلفه في رئاسة الحزب بعد وفاته.
لا أريد ـ ولا يحق لي ـ أن استبق التحقيقات في الجانب الجنائي مما حدث في هذا اليوم الحزين، وأنا شخصيا لم أصدق في البداية حينما أخبرني الزملاء بتعرضهم لإطلاق الرصاص.
وتصورت أن هناك قدراً من المبالغة في رواية ما يحدث، لكن المشهد بعد ذلك كان صادماً وأنا أشاهد الضحايا في المستشفيات قبل أن أذهب إلى مقر الحزب والصحيفة وأرى آثار المعركة وأشهد خروج رئيس الوفد السابق مقبوضا عليه مع أنصاره القليلين.
والمشهد يذكّرك بأن كل رؤساء الوفد قبض عليهم ولكن في ظروف مختلفة، سعد زغلول قبض عليه جنود الاحتلال الإنجليزي أكثر من مرة وتعرض للنفي خارج مصر، وكان ذلك شرارة إشعال ثورة 19 وتنصيبه زعيماً للأمة.
ومصطفى النحاس اعتقلته حكومات الأقلية، وسراج الدين اعتقل وحوكم في بداية الثورة، ثم اعتقله السادات في سبتمبر 80 ضمن القائمة التي ضمت كل التيارات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولكن الأمر الآن يختلف، فالاتهامات هذه المرة جنائية، والرئيس السابق للحزب محبوس الآن على ذمة اتهامات تصل إلى الشروع في القتل!
إنها كارثة تلخص ما وصلت إليه الحياة الحزبية من ترد وما يهددها من مخاطر، وإذا كان حزب الوفد يتحمل جزءاً من المسؤولية بوضع النظام الداخلي للحزب الذي تم «تفصيله» على مقاس رئيس الحزب السابق فؤاد سراج الدين وبما لا يتفق مع حزب ليبرالي حقيقي.
حيث وضعت في يد رئيس الحزب كل السلطات الممكنة وغير الممكنة مع إبقائه في موقعه مدى الحياة، وهو الوضع الذي ورثه الدكتور نعمان جمعة وأطلق بمقتضاه يديه في شؤون الحزب دون أن يكون له النفوذ الموازي في قواعد الحزب الذي يبرر هذه السلطات.
ومع بروز أطراف أخرى ترى أنها الأحق بزعامة الحزب وتخوض من أجل ذلك صراعات داخل الحزب تم إدارتها ـ للأسف الشديد ـ بطريقة أوصلت الأمور إلى ما وصلت إليه.
لكن تساؤلاً يثور هنا، فتاريخ الوفد منذ نشأته حافل بالانشقاقات، فما الذي جرى لتصل الأمور إلى ما وصلت إليه في موقعة أول ابريل التي صدمت المصريين جميعاً!؟
والإجابة هنا في اختلاف الظروف التي حكمت الحياة السياسية على مدى ما يقرب من قرن كامل. فالوفد بحكم نشأته كحركة وطنية في مواجهة الاحتلال كان لابد أن يشهد الاختلافات والانشقاقات، سواء بين أجنحة لها رؤاها المختلفة في كيفية التعامل مع الاستعمار البريطاني.
وقد وصل الاختلاف إلى حد وجود من يؤمن بـ «الزواج الكاثوليكي» الذي لا ينفصم بين مصر وإنجلترا، وبين مؤمنين بأن المقاومة المسلحة هي الحل الوحيد.
ثم كان الخلاف في مرحلة أخرى حول الدستور الذي كان الوفد ابرز المدافعين عنه في وجه استبداد القصر وأحزاب الأقلية التي خرج معظمها من عباءة الوفد الفضفاضة التي كانت تضم قوى عديدة من الإقطاعيين وأصحاب الأراضي إلى اليساريين الذين اقتربوا من الماركسية.
لكن المناخ السياسي والقوانين الحاكمة للأحزاب السياسية كانت تضع الأمور في نصابها في هذه المرحلة، فوجود الأجنحة داخل الحزب أمر طبيعي، فإذا استمر التعايش بينها كما كان الأمر مع «الطليعة الوفدية» التي مثلت يسار الحزب خضع الأمر للحوار والصراع الداخلي مع قيادة الحزب الأقرب لليمين.
وإذا استحال التعايش كان الفراق وخرج المنشقون لينشئوا أحزابهم كما حدث مع حزب السعديين (نسبة إلى سعد زغلول) وحزب الأحرار الدستوريين وحزب الكتلة الوفدية.
الأمر الآن يختلف، فالأحزاب تنشأ بموافقة لجنة يتحكم فيها الحزب الحاكم نفسه(!!)أو بأحكام قضائية صعبة المنال، فإذا ثارت الخلافات في وجهات النظر داخل الحزب، فكل طرف يسعى لإقصاء الطرف الآخر الذي يتشبث هو الآخر بمواقعه لأنه يعلم أن خروجه من الحزب يعني خروجه من الحياة السياسية.
فإذا أضفت إلى ذلك سنوات الحصار المحكم لنشاط الأحزاب و منعها من العمل الجماهيري الحقيقي، واقتصار دورها على إصدار صحيفة الحزب الذي صار أبرز نشاطاتها، ثم البقاء بعد ذلك داخل المقار الحزبية المحاصرة، كانت النتيجة الطبيعية هي اندلاع الخلافات الداخلية وتعدد الانشقاقات.
وإذا وضعنا جانباً حزب «الغد» لظروفه الخاصة التي أحاطت برئيسه أيمن نور، فالأوضاع في العديد من الأحزاب تبلغ حد المأساة أحيانا وحد الكوميديا في أحيان أخرى كما يحدث في حزب «الأحرار» الذي يبلغ عدد المتنازعين على رئاسته أكبر من عدد أعضائه الفاعلين!
هذا الوضع القانوني المتخلّف الذي لم يعد صالحاً للتعامل مع الأوضاع السياسية في مصر يسانده تحالف جديد ظهر في السنوات الأخيرة بين رأس المال والعنف، وهو التحالف الذي برز في الانتخابات التشريعية في المرتين السابقتين، والمرشح للتنامي في ظل ظروف اقتصادية صعبة وقيود سياسية لم تعد تتواءم مع حركة المجتمع.
بالطبع هناك الكثير مما يقال في أحداث أول إبريل الدامية في مقر حزب الوفد، عن التأخر في حسم الأمور من الناحية القانونية وترك الأطراف تصفي حساباتها بنفسها.
وعن اكتفاء الأجهزة المسؤولة بال«فرجة» على معركة بالرصاص في قلب القاهرة من الصباح حتى المساء أصيب فيها ما يقرب من عشرين صحافياً وعاملاً بالوفد وصحيفته، لكن القضية الأساسية تبقى كيف نخرج من هذه الأوضاع التي حولت الأحزاب إلى ما يشبه «قفص الفراخ» الذي تتصارع داخله الدواجن في مكان ضيق، هذا بالطبع قبل أن تجتاحها أخيراً انفلونزا الطيور؟
إن ربع قرن من التعايش المؤلم مع هذه النظم الحاكمة للحياة الحزبية في مصر كانت نتيجتها فراغا سياسيا في الشارع المصري وانتهاء لأي دور حقيقي للأحزاب ، ليتحول الصراع في الانتخابات الأخيرة إلى منافسة بين الحكومة بأجهزتها التنفيذية والاخوان المسلمين بخطابهم الديني.
بينما مقرات الأحزاب تتحول إلى ساحة للخصومات الداخلية والانشقاقات أو مشاريع الانشقاق المقبلة في الطريق، والتي يمكن أن تتزايد فيها موجات العنف والبلطجة التي أعطت أحداث الوفد الليبرالي مثالاً مأساوياً لها.
إن مراجعة أساسية للنظم الداخلية للأحزاب الرئيسية أصبحت لازمة، فلم يعد ممكناً أن تبقى قيادات الأحزاب في مواقعها للأبد، ولم يعد ممكناً أن تسد السبل أمام أجيال جديدة لكي تتولى مسؤولياتها القيادية في الحياة السياسية، ولم يعد ممكناً أن نطالب الحكم بالتجدد بينما يسيطر الجمود على أحزاب المعارضة.
لكن هذا هو الجانب الأصغر من القضية، ويبقى الأساس هو التغيير الشامل والكامل لمجمل النظم الحاكمة للأوضاع السياسية والتي أدت إلى الأوضاع المأساوية التي تعيشها الأحزاب التي فقدت تأثيرها في الشارع السياسي وانشغلت بصراعاتها الداخلية وهي تحاول إزالة آثار سنوات من الحصار المضروب على نشاطها.
لم يعد ممكناً أن يظل الترخيص بإنشاء الأحزاب في يد الحزب الحاكم! ولم يعد مقبولاً أن تستمر القيود على حركة الأحزاب في الشارع السياسي، ولا أن تستمر حالة السلبية التي تبعد الغالبية العظمى من قوى المجتمع عن المشاركة السياسية والتي انعكست في نسبة الإقبال على الانتخابات الأخيرة.
أحداث «الوفد» الأخيرة تؤكد ـ بكل مأساويتها ـ على رسالة واضحة:
وهي المضي في عملية الإصلاح السياسي الشامل بلا تأخير وبدون تردد، وإلا فإنه ما حدث في «الوفد» لن يكون إلا مجرد بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها الرصاص هو لغة الحوار .
كما حدث يوم السبت الحزين في قلب القاهرة، وبين رجال يفترض فيهم أن يكونوا أول من يقدس القانون، وفي حزب يرفع راية الليبرالية ويؤكد على احترام التعددية والخلاف في الرأي.
نقيب الصحافيين المصريين