يتحول العراق، بخطى متسارعة، إلى مسلخ بشري بضاعته اليومية موت بالجملة، انتاجيته في حصد الأرواح، على الهوية، تتزايد بوتيرة مخيفة. كانت بالعشرة والدزينة، صارت بالعشرات المضاعفة. كانت ثأريتها مبطنة، صارت مكشوفة. أيضا مذهبيتها كانت مموهة، فباتت صريحة تتحدث عن نفسها.
ورغم التحذيرات من الوقوع في فخ الفتنة الأهلية، إذا ما تمادى هذا النهج، وبالرغم، أيضاً، من شجب كافة الاطراف وادانتهم لعمليات التصفية العشوائية وتعهدهم بالتصدي لها ومنعها من زجّ البلد في محرقة حرب أهلية، إلا أن الأمور ما زالت تندفع نحو الأسوأ في هذا الاتجاه.
على الأقل هي تحاول وضع العراق، عنوة، على هذا الطريق. فالتفجير الانتحاري، أول أمس، الذي أودى بحياة أكثر من سبعين من المصلين، مؤشر صارخ في هذا الخصوص ونذير شرّ مستطير.
خاصة وانه جاء في امتداد تصعيد حاد، بدأ منذ خمسة أسابيع، في حرب التصفية الأهلية المتبادلة، ويزيد من مأساوية وسوداوية المشهد ان الكوابح فارطة أو مستقيلة فهذه المدة التي تدهورت فيها الأوضاع إلى هذا الحد البالغ الخطورة كان من المفروض ان تكون بداية فترة الدخول في مرحلة التحسن.
التصور كان انه مع ولوج فصل الربيع تكون الحكومة الجديدة قد أبصرت النور، بعدما كانت كافة الاطراف قد شاركت في الانتخابات النيابية وأعربت عن استعدادها للدخول في وزارة وحدة وطنية.
وإذا ما تم ذلك، تكون العملية السياسية عندئذ قد شارفت على الانتهاء وبالتالي يصبح البلد، عند ذاك، على عتبة مرحلة جديدة تتميز، في اقله، بانخفاض منسوب الاحتقان الداخلي. لكن شيئاً من ذلك لم يحصل. تأليف الحكومة تحول إلى موضوع صراع، رفد الوضع بالمزيد من عوامل التأزيم والتعقيد. العمليات الانتحارية ازداد انفلاتها.
التراشف بالاتهامات التصفوية المذهبية، تكثف وصار على المكشوف. حالة التباعد تضخمت على حساب امكانيات التقارب وبذلك دخلت المعادلة في متتالية لولبية، ليس من السهل الافلات من دهاليزها.
ومعها صارت العملية السياسية «مكربجة». كما بدأ يبدو وكأن الأمور قد راحت تخرج من أيدي العراقيين إلى أيدي الاطراف الدولية، أميركا وإيران، التي تزمع مباشرة الحوار فيما بينها حول العراق وأوضاعه، وبالتأكيد حول مستقبله، القريب على الأقل!
وفي ذلك لاشك، انعطافة نوعية، مثقلة بعلامات الاستفهام، حول ما قد تؤول إليه التطورات في عراق اليوم والغد. فغياب الحراك السياسي الوطني وحلول جنون الانفلات الدموي الانتقامي مكانه، محكوم بتأجيج منطق الانتحار وطغيانه على ما عداه، في ساحة فقدت بوصلتها، أو بالأحرى أفقدت بوصلتها، تحت تأثير احتلال اغرق العراق وغرق فيه.
وما يزيد من احتمالات تفاقم الأمور وانعطافها إلى الأسوأ هو ان البلد ينزلق بقفزات سريعة نحو الهاوية فيما الوضع الدولي يكتفي بالتفرج. فلا مبادرة ولا وساطة ولا دور لاجما ولو لالتقاط الأنفاس.
العراق عرف، خلال تاريخه، وعاش تجارب قاسية، المغول دمروا مرة عاصمته وصبغوا دجلتها بلون الدم. تجاوز العراقيون تلك المحنة التاريخية وأعادوا بناء البلد. نهضوا معاً ضد الهجمة البربرية من الخارج. لكن هذه المرة إذا احمر دجلة من الداخل يكون النهوض متعذراً. الحروب الأهلية نكبات مستعصية. وعليهم قطع الطريق عليها قبل ان يحمر النهر مرة ثانية.