كان ولا يزال السبب في تسرب الكوادر التربوية من وزارة التربية والتعليم معروفاً، فالمدرس ليس موظفاً عادياً، هو لا يجلس خلف المكتب بضع ساعات ينجز فيها بضع معاملات أو لا ينجز شيئاً، ولا تنقطع صلته مع إدارته حتى يعود صباح الغد متثائباً متثاقلاً متأففاً،
ولا يكون الخميس كله راحة ولا الجمعة، المدرس يمتهن وظيفة معروفة لدينا جميعاً، فكلنا مررنا بالمدرسين وشاهدنا كم الجهد الذي يقدمونه من أجل الطلاب، والمهنة تعني التخصص والارتباط مدى الحياة، لا ينفع معها التنقل ما بين القطاعات والدوائر والوزارات،
ولا تدخل في ثناياها وظيفة أخرى، وهي عطاء واخلاص ومتابعة منذ لحظة الوصول الى المدرسة وحتى مغادرة آخر طالب، كما هي تحضير وتصحيح وإعداد وسائل واستذكار وتقويم وتعليم وتربية ومعايشة والتزام وفهم وتوعية ورعاية ومحافظة وحنان.
ولم يطلب المدرس في يوم من الأيام أكثر من الاهتمام به وتقديره ومساواته بغيره من الذين لا يعطون مثل عطائه، لم يطلب أن يبنى له قصر في الأرض أو السماء، ولم يطلب أن توضع على رأسه ريشة ليتميز بها رغم أنه يستحق، وكان الكل يقدر مطالبه، وزراء جاؤوا وذهبوا وقفوا معه مؤيدين ومطالبين بالكلام فقط، ووزارات مختصة جهزت وبشرت بكوادر خاصة، وامتيازات مستحقة،
ورعاية غير مسبوقة، وطارت البشرى خلف البشرى، وتاه المدرس حتى فقد الأمل، وكان الهروب نحو المجهول مصيره، حيث اختصار العمر والاكتفاء بالسنوات المحددة في قوانين التقاعد، وضاعت الخبرات واستنفزت الطاقات، فأصبح هذا الميدان من أكثر الميادين طرداً لأبنائه بعد أن قتل فيهم الطموح والرغبة في الاستمرار.
اليوم هناك وعود، ولكن أيضاً هناك خطوات سريعة تجعل للمدرس امتيازاً يشعره بأهميتة وبالرغبة في المحافظة عليه، ولهذا لا نستغرب ان عاد المئات ليسحبوا خطابات استقالاتهم أو طلبات إحالتهم الى التقاعد، فقد وجدوا تقديراً في قرار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتخصيص شريحة من أسهم شركة الاتصالات المتكاملة لهم، وكذلك الأمر بمنحهم الأولوية في مشاريع الاسكان،
والاشارات التي يطلقها وزير التربية بالكادر الذي سيضع المدرس في سلم وظيفي بدلاً من « قانون محلك سر» المطبق عليهم، وهذه الاشارات تؤكد صحتها الخطوات العملية التي بدأت بأوامر سموه لتكريم المدرسين وهى تعني ان الأسباب قد عرفت وهي في طريقها إلى الحل.