تغيبت عن السودان لمدة أسبوع كامل ذهبت فيه إلى قاهرة المعز لأشهد منافع متعددة على رأسها حضور اجتماعات الفريق العربي للحوار الإسلامي ـ المسيحي، ولأقتنى شيئا مما تنتجه دور النشر المصرية في كل صباح جديد، وما يصدر هناك في يوم واحد يفوق كما ونوعا كل ما تنتجه الخرطوم في سنة كاملة،
ولأحصل على أدوية يكتبها لنا الأطباء ولا نجدها في صيدليات الخرطوم التي تزداد بتكاثر رياضي، ولأروح عن النفس شيئا ما بشهود بعض مسرحيات القاهرة الجديدة، ولكن عادل إمام ـ غفر الله له ـ خيب ظني هذه المرة بمسرحية سخيفة اسمها «بودى جارد» لم نستطع أن نصبر عليها أنا ورفاقي حتى النهاية،
كان معي هاني رسلان (ابن الصعيد الذي يحب السودان حبا جما مما أقنع مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أن يسلمه تحرير ملف السودان برمته) وحسن مكي فضاع منا وقت ثمين وذهبت مئة دولار هدراً.
وعند العودة إلى السودان تصفحت جرائد الأسبوع الماضي التي كانت في انتظاري فوجدت أن المشهد السياسي محافظ على رتابته المعهودة لم يتغير فيه شيء يذكر، مرور الأيام والأسابيع والشهور لا يغير شيئا في السودان لأن الوقت عندنا لا يعنى الكثير خاصة في أجهزة الدولة بكل مستوياتها فكثير من المسؤولين أصحاب عقيدة، ان الوقت وحده يحل المشاكل دون تدخل من البشر!
نعود إلى مداولات الفريق العربي للحوار الإسلامي ـ المسيحي في القاهرة التي استمرت لثلاثة أيام دار الحديث فيها حول التعددية وحقوق المواطنة وعن الأوضاع المستجدة في العالم العربي وعن الاحترام المتبادل بين المسلمين والمسيحيين.
ومن الأسباب التي تحبب إليّ حضور اجتماعات الفريق العربي للحوار هو وجود نخبة متميزة من المفكرين (مسلمين ومسيحيين) ذات حسٍ وطني عالٍ وتعرض الفريق دائما إلى المستجدات التي تقع في العالم العربي المنكوب.
شهد الاجتماع هذه المرة المفكر الإسلامي المرموق محمد سليم العوا الذي يعد مجددا في فقه علاقات المسلمين بغيرهم، وهاني فحص (أحد قمم الفكر الشيعى في لبنان)، وسمير مرقص الذي يمثل التوجه الوطني المستنير بين أبناء الكنيسة القبطية المصرية دون التنكر لطائفته،
والدكتور محمد عبد الهادي ابن القدس الوفي الذي يحفظ تطورات القضية الفلسطينية عن ظهر قلب، والقاضي عباس الحلبي رئيس الفريق العربي الذي يتمتع بمقدرة دبلوماسية فذة تمكنه من الحديث في كل قضايا السياسة العربية دون أن يتنازل عن ليبراليته ودون أن يجرح علاقته كمواطن مع النظام السوري القائم.
وشهد الحوار المهندس أبو العلا ماضي الذي ترك عباءة الإخوان المسلمين وأصبح يركض منذ عام 1994 وراء تسجيل حزبه (الوسط الجديد) لدى لجنة الأحزاب المصرية التي لم تصدق على إنشاء حزب جديد منذ إنشائها بحجة أن برنامج الحزب الوطني الحاكم لم يترك شاردة ولا واردة في خدمة المواطن المصري إلا وأحصاها ثم ظل يتابع استئناف القرار السلبي لدى المحاكم
وما أدراك بإجراءات المحاكم في مصر! كان من المفترض أن يصدر قرار المحكمة النهائي لصالحه يوم السبت الماضي ولكن المحكمة فوجئت بأن سبعة من الأعضاء المؤسسين (كلهم من الأقباط) تقدموا بمذكرة انسحاب من الحزب.
يبدو أن الجهة الأمنية المختصة اتصلت بهم وطلبت منهم الانسحاب حتى تقيم الحجة على أن الحزب يقوم على أساس ديني وينبغي رفضه وليس هناك عاقل في مصر يرد للجهات الأمنية طلبا! ولم يشفع لقيادة الحزب الجديد أنها هجرت تنظيم «الإخوان المسلمين» قبل أكثر من عشر سنوات حتى تمارس نشاطا سياسيا مشروعا
وكأنما يقولون «غنماية ولو طارت»، الغريب أن الحكومة تسمح في ذات الوقت للتنظيم المحظور أن يرشح أعضاءه ويقوم بدعاية علنية واسعة ويفوز بأكبر كتلة معارضة في مجلس الشعب. وتأجل النطق بالحكم لجلسة تالية تتم فيها مرافعة جديدة واستجوابات جديدة!
وحضر من العراق د. عبد الحسين شعبان الذي أتحف المنتدى بتحليل موضوعي رصين لتطور الأوضاع السياسية في العراق، والدكتور يورغن نيلسون الدنماركي المستعرب الذي درس في شبابه بالجامعة الأميركية في بيروت وتزوج أرمينية من سوريا
وعمل مديرا لمركز دراسات الإسلام والعلاقات المسيحية الإسلامية في جامعة بيرمنغهام ثم عاد ليعمل في مركز بحوث دولي في دمشق، وهو من المؤيدين للقضية الفلسطينية بوعي ومحبة ومن الذين كتبوا دراسات إحصائية دقيقة عن الوجود الإسلامي في أوروبا.
ومثل مجلس التعايش الديني السوداني في هذه الاجتماعات كل من كاتب المقال بصفة أمين عام المجلس والأسقف آدى آمبروز مدير شؤون الكنائس بوزارة الإرشاد والأوقاف والشيخ عبد المحمود أبو أمين عام هيئة شؤون الأنصار بالإضافة للبروفسير حسن مكي الذي سبق أن انتخب نائبا لرئيس الفريق العربي لهذه الدورة.
وغاب عن الاجتماعات كل من المستشار طارق البشرى الذي عرف بكتاباته المتعمقة في التاريخ السياسي المصري وعن دور الأقباط فيه ويؤمن بأن الإسلام أعطى غير المسلمين حقوق مواطنة كاملة لا ينبغي محاولة الانتقاص منها،
كما تغيب الدكتور محمد السماك الذي عمل مستشارا لرئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري في مؤسسة ثقافية تعنى بالعلاقات بين أتباع الأديان وأثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات عن حقوق غير المسلمين وعن تأثير الدين في السياسة الأميركية وعن نمو الأصولية المسيحية وتحالفها مع الحركة الصهيونية.
ويعجبني في اجتماعات الفريق العربي متابعته لمستجدات الأوضاع العربية، وقد حفل لقاء القاهرة بالحديث عن الساحة المصرية التي بدأت تشهد استقطابا نخبويا بين المسيحيين والمسلمين والجديد فيه أن التعدي هذه المرة جاء من قبل الأقباط المسيحيين،
وعن الحالة الفلسطينية في ظل سلطة حماس، وعن أوضاع العراق الذي ظهرت فيه بوادر حرب أهلية طائفية وفشلت أحزابه في تكوين حكومة وحدة وطنية بعد أربعة أشهر من إعلان نتائج الانتخابات. وقبل الملتقى فكرة عقد ندوته المقبلة في الخرطوم يكون موضوعها دعم السلام في أقاليم السودان المختلفة.
كاتب سوداني