درجت الخارجية الأميركية على تقديم تقرير سنوي عن حقوق الإنسان في العالم، وغالبا ما يتركز التقرير حول البلدان المعادية للسياسات الأميركية: الصين، إيران، سوريا. كما أن التقرير مسيَّس بدرجة عالية وغالبا ما يوظف للضغط السياسي حتى على دول ليست معادية أو حتى حليفة في الحرب على الإرهاب: باكستان ومصر واليمن وتونس.

وفي هذه الحالة فإن التقرير المسيَّس بامتياز إنما يتوخى اجتذاب المعارضة السياسية. والضغط على حكومات هذه البلدان لغايات ومآرب سياسية. في العام المنصرم 2005 كان رد الحكومة الصينية قويا. فقد رصدت الصين انتهاكات أميركا لحقوق الإنسان سواء داخل أميركا أو على نطاق دولي.

والواقع أن الولايات المتحدة لها سجل فاجع في التمييز العنصري. وعدم التوقيع على الإعلانات الدولية المتعلقة بالحفاظ على البيئة. أو رفض المحكمة الجنائية الدولية.

وحربها على العراق خارج الشرعية الدولية وقد شكل مجيء الرئيس بوش والمحافظون الجدد إعلان الحرب ضد الإرهاب ممارسة إرهاب الدولة الكبرى في العالم مما مثل وضعا دوليا مواتيا لانتشار التطرف والإرهاب في مختلف أنحاء العالم. وكان الضحية الكبرى لهذه السياسية المتطرفة والعنصرية العرب والمسلمون بما في ذلك الدول الحليفة الباكستان مثلا.

وقد ساعد إضفاء الطابع الديني لهذه الحرب على انتشار الأفكار الجهادية المتطرفة كرد فعل حقيقي لإرهاب الدولة الكبرى ما يطرحه الأميركيون حول انتهاكات حقوق الإنسان في الصين أو مصر أو باكستان أو اليمن ربما يكون صحيحا إلى حد ما.

وربما ما يعيبه هو عدم التقصي والرصد الشامل والدقيق للانتهاكات الواسعة النطاق، وما يقوله التقرير الصيني أيضاً عن أميركا صحيح هو الآخر. وما يعيبه انه يتخذ شكل رد الفعل ذا الطابع الرسمي، والمأساة أن كل دولة ترى عيوبها ومساوئها في الآخر ولا تراه في نفسها.

إن الخطيئة الكبرى في الدفاع الأميركي عن حقوق الإنسان هو التوظيف السياسي. واستخدام «حقوق الإنسان» كهراوة غليظة للابتزاز السياسي والضغط على المخالفين. فهي مثلاً تنتقد المقاومة الفلسطينية وتعمى كلية عن رؤية الفاشية الإسرائيلية الحليفة التي تغتال الزعامات الفلسطينية، وتقتل الأطفال.

وتهدم البيوت على رؤوس السكان، وتقوم بتجريف التربة. وتقتلع الأشجار المثمرة بما في ذلك شجرة الزيتون وتقيم جدار فصل عنصري وتحتل الأراضي بالقوة، نفس ما تعمله أميركا في أفغانستان والعراق.

لقد حولت أميركا العديد في أراضي الحلفاء الأوروبيين وبعض العرب إلى سجون مرعبة. وفضائح سجن أبوغريب وغوانتانامو مخزية للدولة الراعية عالميا لحقوق الإنسان، وقد امتدت الرقابة إلى المواقع الالكترونية، والتدخل الفظ في شؤون الآخرين.

في كتابه المهم «إعاقة أميركا للديمقراطية «أو» ردع الديمقراطية يتناول المفكر الأميركي الذائع الصيت وعالم الالسنيات نعوم تشومسكي دور أميركا في نشر الإرهاب في آسيا وأميركا اللاتينية يقدم تشومسكي صورة لعالم انتقلت فيه الهيمنة الاقتصادية من الولايات المتحدة إلى منظومة جديدة ذات أطراف ثلاثة : أوروبا واليابان إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية وحاليا الصين.

وفي الوقت نفسه جاء التفوق الأميركي البسيط ليحل محل التنافس العسكري بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ويرى ومعه كل الحق إن لهذا الاختلال عواقب وخيمة جراء هذا الاختلال بين القوة الاقتصادية المتزعزعة والجبروت العسكري الهائل.

ويترصد الدكتور بمسؤولية رفيعة العدوان الأميركي ضد حقوق الإنسان، وازدواجية المعايير. والأخطر استخدام حقوق الإنسان كقناع لإخفاء المصالح الاستعمارية والتضحية بحقوق الإنسان إزاء مصالحها. ويقدم عشرات النماذج ومئات الوقائع من شتى بقاع الأرض.

ما ينبغي أن نقف إزاءه أننا معنيون بهذه الحقوق المنتهكة في بلداننا العربية من بعض الأنظمة المستبدة، والكلام ضد انتهاكاتها يعني الكثير والكثير. وهو ما يبرر الاحتفاء من المعارضة السياسية ودعاة الإصلاح بالتقرير الأميركي الذي ترعاه الخارجية الأميركية في حين يكون الرد الحكومي غاضباً وانفعالياً.