الصورة العربية الآن لا يمكن فيها إصدار الأحكام النهائية حيث تتداخل فيها مساحات من الظل والضوء، والأبيض والأسود، وبينهما درجات رمادية، وأشياء بلا لون ولا طعم ولا رائحة.. ومع ذلك علينا في كل الأحوال، أن نضيء شمعة بدلاً من أن نلعن الظلام.
في ظل المشاريع الدولية، السرية والعلنية، برعاية أميركية وأفكار إسرائيلية، والتي تتداخل فيها المصالح، وتتشابك معها الأهداف، وتتكامل بينها الأدوار، والتي تعبر عن نفسها تارة من تل أبيب باسم «الشرق الأوسط الجديد»، الذي يهدف لهيمنة القوة الإسرائيلية على المنطقة، وأخرى من واشنطن باسم «الشرق الأوسط الكبير»، لفرض هيمنة القوة الأميركية على العالم، تتضح خارطة الطريق الحقيقية تجاه الدول العربية والإسلامية.
وبالإعلان بغير خوف عن رسم الخرائط الأحادية للحدود النهائية للدولة العبرية على حساب الأرض العربية الفلسطينية من جانب المحتل الإسرائيلي، وبالتأييد بغير حياء من جانب الداعم الأميركي لمشروعات «شارون» و«أولمرت» التوسعية، بالمخالفة لكل القرارات الدولية، ولكل الاتفاقيات الفلسطينية ـ الإسرائيلية بل ولكل التعهدات والوعود ولخرائط الطرق الأميركية خصوصاً،
فإنه يصبح واضحا الآن كما لم يتضح قبل الآن، طبيعة الأهداف الإسرائيلية المدعومة أميركياً التي تشكل تحديا بالغا لا للشرعية الدولية فقط، ولا لمبادرات السلام العربية التي تمثل الشرعية العربية، منذ «قمة بيروت» التي تحداها شارون في اليوم التالي وإلى «قمة الخرطوم» التي تحداها أولمرت في اليوم التالي أيضاً، بل لمستقبل وجود النظام العربي الذي تمثله مؤسسة القمة العربية ولضمانات الأمن القومي العربي.
وربما لأن التحدي الذي يواجهه النظام العربي مصيري ويتوقف على النجاح فيه، ليس فقط القدرة على منع شروع إسرائيل من الانفراد برسم الحدود، وإنما أيضا القدرة على إجهاض محاولات أميركا وإسرائيل معا لتهديد الوجود، كانت الاستجابة المتوقعة من قمة الخرطوم العربية مصيرية على مستوى التحدي، وهذا ما يفسر ردود الفعل الإعلامية غير الإيجابية في الغالب تجاه مقررات القمة.
ولأنني واحد من الذين يميلون عادة إلى النظر إلى الكوب من نصفه الملآن أولاً قبل المسارعة بالنظر إلى نصفه الفارغ، وفى محاولة مني لكي لا يدفعني الغضب من فراغ نصف الكوب إلى عدم الاعتراف بامتلاء نصفه الآخر، فلست مع الرأي الذي وصف القمة بالفشل الكامل في التعامل مع ملفات القضايا المطروحة وبالتكرار في مقرراتها، واستطرد فصب الإدانات على كل القمم السابقة عليها وربما اللاحقة.
ولست مع الرأي الذي وصف القمة بالنجاح الكامل في وضع القرارات والآليات والإمكانيات القادرة، والبدائل الملائمة التي تلبي توقعات الشعب العربي من أعلى مؤسسات العمل العربي المشترك في هذا الظرف المصيري ومع ذلك لست أظن أنه من المفيد للعرب تبديد ما يتوفر لهم من إمكانات الصمود أو التصدي ولو كان غير كاف، سعياً للوصول إلى ما هو كاف، أو برفض الممكن طلباً لما هو غير ممكن.
ففي ظل الضغوط الدولية المحيطة بانعقاد القمة، والهادفة إلى عدم انعقادها من الأصل، والساعية إلى عدم عقدها في الخرطوم بالذات لفرض العزلة على السودان في مواجهته للأجندات المريبة، والرامية إلى عرقلة الحضور الكامل للقادة العرب، والهادفة إلى الضغط على «حماس»، والعاملة على إجهاض النظام العربي ومنع صدور ما يخالف إرادتها من قرارات.
وفى ظل الظروف الإقليمية التي تتزاحم فيها ملفات القضايا والأزمات بكم وكيف يفوق طاقة قمة في مثل هذه الظروف، وبالتأثير السلبي لأولوية المصالح الضيقة للحالة القطرية العربية على الضرورات الأمنية للحالة القومية العربية، وبرغم تردد أقل من نصف القادة العرب الرئيسيين عن هذه القمة،
فقد تواصل سير قطار القمة من الجزائر إلى الخرطوم ووصل في موعده، وحضر أكثر من نصف القادة العرب، وإلى جانبهم ممثلون عن القادة الغائبين بدون مقاطعة من أحد، وحظي السودان بدعم سياسي ومالي ولوجستي عربي تدعيماً للدور الإفريقي وتقوية لموقفه لإحباط التدخل الدولي في قضية دارفور وهو ما لا ينبغي التقليل من أهميته وتأثيره.
كما استمر الدعم العربي للشعب الفلسطيني السياسي بالتأكيد على احترام إرادة الشعب الفلسطيني وخياره الديمقراطي، والمالي وبرغم عدم كفايته إلا أنه جاء معاكسا للضغوط بوقف الدعم المالي لحكومة بقيادة «حماس»، ومقرونا بوعد بتغطية أي عجز ينتج عن قطع المساعدات الدولية. وأكدت القمة رفضها لمشاريع «أولمرت» التوسعية مطالبة الرباعية الدولية لتحمل مسؤولياتها.
وعندما تعلن القمة في كلمات لا تقبل التأويل مشروعية المقاومة الوطنية اللبنانية التي يمثلها حزب الله في إطار حق لبنان في تحرير مزارع شبعا تأكيدا للبنانيتها على عكس مواقف مشبوهة تصف المقاومة بالإرهاب، بهدف سحب غطاء الشرعية عن المقاومة.. فهذا موقف يعني قدرة عربية على الممانعة والانتصار للقضايا العربية له قيمته.
وحينما تؤكد قمة الخرطوم العربية في صياغة قوية رفضها القاطع لما يسمى بقانون محاسبة سوريا، الصادر في واشنطن عاصمة الضغوط الدولية على عاصمة الصمود العربية، واعتبار العرب جميعا ذلك المسلك الأميركي انتهاكا للقانون الدولي، فهي رسالة سياسية ذات مغزى لإحباط الضغوط الأميركية في محاولاتها لعزل سوريا لا ينبغى تجاهله وتبديد تأثيره.
وحينما تقرر القمة إنشاء آلية جديدة هي «مجلس الأمن والسلم العربي»، في حضور رئيس «البرلمان العربي الانتقالي»، وتطلب من الأمين العام للجامعة العربية بعد تجديد ولايته مواصلة استكمال مؤسسات وآليات «بيت العرب»، فإن ذلك يعني بوضوح رفضاً عملياً لإضعاف النظام العربي ولمحاولات عرقلة منظومة العمل المشترك.
وحينما يدعو رئيس المؤتمر إلى ضرورة الاهتمام بالبحث العلمي ودفع خطى الاستثمار العربي ودفع مسيرة التكامل الاقتصادي، ويدعو الأمين العام للجامعة للإسراع في دخول عالم الطاقة النووية السلمية، وتطوير منظومة التعليم في الوطن العربي،
وعندما يصدر عن القمة العربية مثل هذه القرارات وغيرها من الخطوات الإيجابية الرافضة بقدر كبير لإرادة قوى الهيمنة الدولية في ظل هذه الظروف الماثلة أمام الجميع، فإنها تبقي الأمل باقياً في قدرتها الرفض بقول «لا» في أصعب الظروف.
وعندما تستطيع أن تفعل فعلاً من شأنه دعم دولة عربية على الصمود، أو عندما تضيف بناء جديدا لمؤسسات العمل العربي فهي خطوة إلى الأمام مطلوب مواصلتها.ولكن هل ما تحقق وهو نصف الكوب الملآن يكفي لتكون الاستجابة على قدر التحدي؟ بالتأكيد لا.. وهذا الذي تحقق إيجابي ولكنه غير كاف.
لكن ما لم يتحقق هو ما يبقي نصف الكوب فارغاً وبدلاً من أن ننزلق بجلد الذات إلى سكب ما في الكوب من ماء في محاولتنا لكي نملأه، دعونا لا نبكي على الماء المسكوب، ونعمل معاً على ملء النصف الفارغ.. فبيت العرب بحاجة للدعم الأجدى من كل لوم.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmai,com