في الأسبوع الماضي، برزت على السطح المؤسسة العلمية الأولى، في دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال الزيارة الكريمة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي للصرح العلمي الأول في الدولة، جامعة الإمارات العربية المتحدة.

هذا الصرح العلمي، الذي احدث نقلة نوعية في التعليم عند إنشائه، حينما أدركت القيادة السياسية في القرن الماضي، أهمية التسلح بالعلم، لدخول عالم جديد، أعمدته العلم والمعرفة، وأدركت أيضاً، أهمية إعداد الكوادر المواطنة من الجنسين، ممن يحملون مؤهلات علمية في كافة المجالات، التي يحتاجها المجتمع.

أصبح التعليم العالي بعد إنشاء هذا الصرح متاحاً للجميع، بعد ان كان حلماً، يراود أذهان الشباب، وخاصة العنصر النسائي ، إذ لم يكن التعليم العالي بالنسبة للفتاة الإماراتية أمراً ممكنناً في ظل التقاليد المحافظة التي تسود المجتمع، هذا بالرغم أن بعض الفئات الاجتماعية ذات الرؤية المستقبلية كانت تحبّذ إتاحة هذه الفرصة لفتياتها.

ومن هنا، كانت الخطوة الأولى، بمثابة ثورة في مجال التعليم، وفرّت فرصة تاريخية لفتاة الإمارات، كي تنال حظها منه، وذلك من خلال إتاحتها الفرصة للانخراط في المجالات العلمية والإنسانية، التي وفرتها برامج جامعة الإمارات في كلياتها وأقسامها المختلفة.

وقد كان للتنوع الثقافي والحضاري لأساتذة الجامعة، الذين نهلوا من مصادر فكرية وعلمية من الشرق والغرب، دور مهم في إغناء الحرم الجامعي باللمسات الحضارية المتنوعة، والتي تكسب المعرفة والعلم رونقاً متميزاً.

وقد شهدت السنوات الأولى من تأسيس الجامعة دوراً أساسياً للأساتذة الوافدين من أقطار عديدة، عربية وغير عربية، وهنا أرجو أن يسمح لي القارئ العزيز، أن أعود إلى الوراء، إلى مرحلة قد تعود إلى ربع قرن من الزمن.

حين ذاك، واقصد في بداية العقد الثامن من القرن العشرين ، حينما كان عدد أبناء الوطن من المدرسين لا يزيد على العشرة في هذا الصرح العلمي الكبير!! ..والذي استلمت قيادته شخصية طموحة، متمثلة بمعالي وزير التعليم العالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان،

ذلك الشاب الذي كُلّف بمهمة تطوير التعليم الجامعي وتحديثه، على أسس علمية مدروسة، لا ترفض الماضي، ولكنها في الوقت نفسه، ترنو إلى المستقبل، وتتنبأ بمتطلباته، وتسعى إلى إحداث نقلة نوعية في التعليم الجامعي، من أجل الدخول في مرحلة ما بعد القرن العشرين.

كانت الاتجاهات السائدة آنذاك لأولئك البناة الأوائل هي السعي الحثيث للأخذ بيد تلك المؤسسة التعليمية نحو المستقبل، خاصة بعد المرحلة التي كانت فيها بعض الفئات المعروفة تسعى لاستغلال هذه المؤسسة التنويرية لتحقيق مشروعها الفكري، وقتل الطموح، والعودة إلى الوراء.

ومن هنا كان التحدي الحقيقي، بين الماضي والمستقبل، بين فئة تعيش في مرحلة ما قبل العولمة، تلك التي تسعى لوضع كل العراقيل للحد من انتقال المجتمع إلى المرحلة الجديدة.

وبين القيادة الشابة، ومن خلفها لفيف من الشباب المؤمنين بحق الإمارات في التطور والارتقاء والانتقال إلى الفضاء الجديد، الذي يفتح الباب واسعاً أمام الإبداع والتطور، دون قيود أو عراقيل، وكأنه صراع بين القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، في ظل معادلة صعبة بين الماضي والمستقبل.

لقد كان للإدارات الأكاديمية دور في ترسيخ الرؤية المستقبلية، لهذه المؤسسة المهمة في المجتمع. وخاصة انها المصنع الذي يخرج قياداتها المستقبلية، هذه المؤسسة الاتحادية التي خرّجت آلاف الكوادر المواطنة، والتي تحمل راية المستقبل، ويكفي أن نشير إلى أن أكثر من ثلث أعضاء مجلس الوزراء الحالي في الإمارات، هم من خريجي هذه الجامعة.

ولم يكن هذا التحدي مقتصراً على المجال الأكاديمي والإداري فحسب، بل كان في تجربة أول مؤسسة طلابية في الوطن، والتي كانت تضم مختلف الاتجاهات الفكرية في مجتمع الإمارات، وخاصة في المرحلة الاتحادية، التي أعقبت سنة 1979م حيث المذكرة الشهيرة، التي حملت في طياتها حلم الوحدة البعيد.

كانت الجامعة هي المحك الرئيسي والميدان الأول للصراع الاجتماعي، حيث كانت الأنظار كلها متجهة إلى فحوى هذه المؤسسة، التي تمثّل مجتمع الإمارات بكل أطيافه.

وتساءل أولياء الأمور عند ذاك، إلى أين سيتجه أبناؤنا، الذين سيحملون شعلة المستقبل، بل الذين قد يمسكون ببوصلته يتجهون بها حيث يشاؤون. وكانت النتيجة محسومة، في ظل الظروف المحلية والإقليمية والعالمية، التي سهّلت للقوى (الماضوية) لأن تكون السائدة،

وهي التي شكلت مستقبل تلك المؤسسة، على مدى يزيد على عقد من الزمن ، لم يسع فيه بعض الأفراد وقف عملية التقدم فحسب، بل أرادوا أن تعود العجلة إلى الوراء. ولكن هل تحقق ذلك ؟ ، هل عادت العجلة إلى الوراء؟! ، وأهم من هذا، من يظن ذلك ؟، وللحديث بقية حول الجامعة والمجتمع.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

malmutawa@albayan.ae