يمارس الغرب ضغوطا هائلة على الدول العربية، من اجل إدخال إصلاحات ديمقراطية، وتوسيع هامش المشاركة السياسية، للوصول إلى التداول السلمي للسلطة، الذي يسمح بتخفيف التوترات والتشنجات ويزيل الاحتقان داخل المجتمعات، ما يرسخ الاستقرار والأمن في المنطقة.
لكن في مقابل هذه الضغوط الرهيبة، والتي تصل أحيانا إلى حد إصدار قرارات توصي بعقوبات، نجد الغرب نفسه يمارس ازدواجية كبيرة في مسألة الديمقراطية، إذ يريدها في دولة معينة ولشعب معين، في حين يعارض بشكل ديكتاتوري في أماكن أخرى، ولأسباب اقل ما يمكن أن توصف به، هي أنها فجة وغير منطقية.
ولنا في الحالة الفلسطينية خير دليل على هذه الازدواجية، إذ انه على الرغم من إصرار أميركا والدول الأوروبية، على أن تمارس السلطة الفلسطينية الديمقراطية وتكافح الفساد، نجدهم يتحدون ضد نتيجة الخيار الديمقراطي الذي أراده الشعب الفلسطيني، عبر اختيار حركة حماس كسلطة له، بل ويعلنون بلا خجل حرب تجويع ضد الفلسطينيين عقابا لهم على هذا الخيار.
فيوم أمس انضم الاتحاد الأوروبي إلى هذه الحرب وقرر تعليق مساعدته للسلطة الفلسطينية، مؤكدا انه لن يقدم في الوقت الحاضر أي مبالغ إلى أو من خلال السلطة الفلسطينية. والواقع أن هذا العقاب ليس موجها فقط إلى حركة حماس التي يطالبها الغرب بالاعتراف بإسرائيل، بل إلى الشعب الفلسطيني بكامله،
لأنه سيكون المتضرر الأول من جراء هذه المواقف التي ترسل إشارة خاطئة إلى خيارات الشعوب الديمقراطية، وكذلك إلى إسرائيل التي لم يتم الضغط عليها من قبل الغرب لتوقف عدوانها على الفلسطينيين وتنفذ قرارات الشرعية الدولية، ومن ثم فإن كل هذا سوف يفتح شهيتها إلى مزيد من الإجرام والعدوان وضرب عرض الحائط بجميع قرارات الشرعية الدولية.
لكن في مواجهة هذه الحرب المفتوحة على الشعب الفلسطيني، ينبغي على الحكومة الفلسطينية التي تترأسها «حماس» ومؤسسة الرئاسة التي يقف على رأسها الرئيس محمود عباس «أبو مازن» وكل الفصائل والقوى الوطنية الفلسطينية، أن تسمو فوق خلافاتها ونزاعاتها الداخلية، للتفرغ إلى الميدان الأهم، وهو البحث عن مخرج من هذه الأزمة التي تهدد الشعب الفلسطيني بالجوع والعزلة والعدوان.
وعلى أية حال، فإن هذه الضغوط ستصبح بلا قيمة حقا، إذا توحد الشعب الفلسطيني ودافع عن خياره الديمقراطي بكل الوسائل المشروعة، ومن دون أن يفتت جهوده في معارك جانبية لا طائل من ورائها سوى مزيد من الفرقة، وتتيح المجال للاحتلال ليواصل عدوانه القمعي الإجرامي.
إسرائيل هي المستفيد الوحيد من أي خلاف أو مماحكات بين حماس وعباس، فهي لا تفرق بين«فتح» أو«حماس»، بين «الشعبية» أو «الجهاد»، هدفها الرئيسي ابتلاع كل الأرض وطرد السكان إذا استطاعت.
أما الدول الغربية، وبالأخص الاتحاد الأوروبي فعليه أن يقبل بالخيارات الديمقراطية للشعوب، وألا يعاقبها على ذلك وان يعطي حركة حماس الفرصة لكي تبرهن قدرتها على القيادة، لا أن يضع العراقيل أمامها لتسقط.