أدركت الولايات المتحدة في نهاية المطاف أن التجربة التي حاولت تطبيقها على العراق وتحويله إلى "واحة للديموقراطية" في منطقة الشرق الأوسط، قد فشلت. وأعادت واشنطن النظر في الميزانية التي كانت مخصصة لرشوة المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني لتزوير الواقع العراقي.
فالدم الذي يسال يومياً والضحايا التي تسقط في بغداد والنجف وسامراء وكركوك وفي كافة المناطق العراقية، كفيلة في إفهام الاحتلال أن تنظيم انتخابات تشريعية لا يكفي للقول إن العراق ينعم بالديموقراطية، خاصة أن البرلمان العراقي الذي نتج عن الانتخابات مازال معطلاً منذ أكثر من ثلاثة أشهر، ومازالت المؤسسات العراقية تسيّر بحكم الأمر الواقع، ابتداءً من رئاسة الجمهورية وانتهاء برؤساء الأقاليم، مروراً بالحكومة وتعيين الوزراء.
أصبح العراق بعد ثلاث سنوات من الاحتلال ساحة للقتل، والمسؤول الأول عن هذا التحول هو الولايات المتحدة التي ضربت البنية التحتية للأمن الوطني بتسريح الجيش، وعدم قدرتها على بناء بديل له، لا بل إنها ساهمت في خلق ميليشيات داخل المؤسسة العسكرية تدين بالولاء لهذا الطرف السياسي أو ذاك، وسهلت من دون أن تدري أولاً، وجود آلاف المتطرفين من كل الفئات على الساحة العراقية، وهؤلاء تحولوا إلى قوة لا يستهان بها وباتوا رقماً صعباً في المعادلة العراقية، لا سلام بدونهم، ولا قدرة للاحتلال أو للحكومة العراقية على التخلص منهم.
فالإملاءات التي فرضتها كونداليزا رايس ونظيرها وزير الخارجية البريطاني جاك سترو على الأحزاب السياسية العراقية بغض النظر عن سلامة اختيارهم لرئيس الحكومة ورئيس البلاد، قمة اللاديموقراطية التي تدعي كل من لندن وواشنطن محاربتها.