ثقافة الأمم والشعوب والأقوام والجماعات والأقليات قامت منذ البدء على التنوع والتعدد «ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم» الآية الكريمة. فالتنوع والتعدد هو الأساس الذي قامت عليه الحياة والاجتماع البشري، بل الكون.
وإذا كانت الحياة بما هي حياة والكون بما هو كون قائمين على أساس التنوع والتعدد فإن مختلف تفاصيل الحياة والكون أيضاً قائمة على هذا التنوع الثري والغني.
ومن هنا فإن غياب التنوع والتعدد يعني الهمود والموت. وتعبر الأديان السماوية والأرضية في تعدديتها التي تبدأ ولا تنتهي عن عمق وحقيقة هذا المعنى القيم. وحتى الديانات التوحيدية التي رمزت إلى وحدة الإله.
وربما اتخذت في جوانب معينة في بعض الفلسفات والأفكار الصوفية العالمية ومنها الإسلامية منحى وحدة الوجود فإن هذه الوحدة تعني فيما تعني وحدة المتعدد وتنوع الواحد. فهذه الواحدية تتخذ صيغاً وأشكالاً وألواناً لا نهاية لها.
وإذا كان التنوع والتوحد قائماً في الديانات «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا» (النساء 163).
فإننا نجد هذا التنوع والغنى والتعدد داخل الأديان والفلسفات والفكر الإنساني، هذا التنوع يمتد إلى الوحدات القومية والأثنية وحتى الوحدات الصغيرة وداخل فكر الإنسان الفرد.فكما أن ثقافة العالم متنوعة ومتعددة ومختلفة أيضاً فإن هذا التنوع والاختلاف يمتد إلى كل المستويات في المجتمعات البشرية.
يتسم الفكر والثقافة العالميين بتنوع وتعدد مدهش وشديد الغنى حد الغرائبية. فازدهار الأمم والشعوب ورخاؤها وأمنها وسلمها قد ارتكز على احترام هذا التنوع. فالاعتراف بالتنوع والتعدد وحتى الاختلاف هو كفالة التآخي والتآلف.
والتعايش القائم على احترام الآخر. كما أن الاحتراب والقلاقل والفتن وحتى الحروب الكونية في التاريخ إنما كان من أهم أسبابها عدم احترام هذا الحق الإنساني الأصيل.
وقد عبر الفيلسوف اليوناني هيرقليطس عن جدلية الاتفاق والاختلاف بمقولته الشهيرة «من المختلف يولد أجمل انسجام» فعلم الجمال في جوهره قائم على تعددية المعارف وتعددها وتداخلها وانصهارها في صورة أروع وأزهى.
والتنوع والتعدد لا يمكن البحث عنهما في تعددية وتنوع الأمم والشعوب المختلفة فحسب، وإنما نجدها في ثقافة الأمة الواحدة ومن يقرأ الفرق الإسلامية التي تتناسل كانقسام الذرة يدرك أهمية هذه القيمة في التراث الفكري الإسلامي.
إن الواحدية والنزعة التوحيدية وإنكار التعدد قد نجمت عنها كوارث وحروب في كل الأمم والشعوب.لا يمكن أن يكون فكر التطرف أو الإلغاء أو النازية أو الفاشية من نصيب أمة أو شعب أو دين أو معتقد أو جهة. فأفكار التطرف والإرهاب والإقصاء والإلغاء تنتشر كالوباء.
وفي عصرنا الراهن فإن أفكار الليبراليين الجدد والصهيونية، واتجاه العولمة «عبر الحرب الاستباقية» لا تختلف في كثير أو قليل عن الاتجاهات الفاشية. وما يجري في العراق وفلسطين شاهد على الاتجاهات الأكثر بربرية ووحشية.