هل سيؤدي انفجار فقاعة سوق العقارات إلى شل النمو الاقتصادي العالمي؟
الإجابة المقتضبة على هذا السؤال هي على «الأرجح لا». والإجابة الأكثر توسعاً هي «ربما».فبرغم كل شيء، كان انفجار فقاعة سوق أسهم التكنولوجيا العالية في وول ستريت عام 2000 وراء آخر فترة ركود اقتصادي في أميركا.
ولقد تسبب ذلك الضعف الذي اعترى القاطرة الأميركية بإضعاف معدلات النمو في أوروبا ودول حوض الباسيفيكي على حد سواء. ولذلك فإن التباطؤ الحالي في سوق العقارات السكنية يستحق منا إلقاء نظرة متمعنة.
وليس هناك جزء من الاقتصاد أكثر إثارة للاهتمام من التاريخ الطويل للأرض والمأوى. من المؤكد أن الإنسان لا يعيش على الخبز فقط، وعلى مدار 10 آلاف سنة من التاريخ المسجل، شكلت الحاجة إلى حيز مكاني مقبول للعيش المحرك الرئيسي للمساعي والهجرات البشرية.
إن أسعار الغذاء، التي تعتمد على تقلب الطقس وغلة المحاصيل الزراعية، تتذبذب صعوداً ونزولاً على المدى القصير. لكن أسعار الحنطة وفول الصويا اليوم لا تعتمد كثيراً على كيف كان الطقس قبل 3 سنوات.
أما قطاع السكن فهو مختلف. فديمومته تضمن أن أسواق العرض والطلب ستتذبذب في تأرجحات كبيرة طويلة المدى. وفي معظم أنحاء العالم المتقدم، فإن الأصول المالية الرئيسية للطبقات الوسطى هي ملكية منازلهم.
وتقع أخطر حالات الاقتصادات الضخمة عندما يتزامن توقيت فقاعات العقارات مع فقاعات سوق الأسهم. وخلال صعودهما المتزامن تقوي الفقاعتان كل منهما الأخرى. وعندما تنفجر الفقاعتان في الوقت نفسه ـ كما حدث مثلاً في اليابان عام 1998 ـ فإن الركود الذي يتلو ذلك يكون على الأرجح موجعاً وطويلاً جداً.
وفي المقابل، فإن ما حدث في أميركا عام 2000 مباشرة بعد انهيار وول ستريت، هو ارتفاع حاد يشبه المعجزة في سوق العقارات السكنية ومباني المكاتب. لماذا؟ ليس لأن الاقتصاديين تنبأوا بهذا سلفاً.
ولمعادلة إنهيار وول ستريت، تصرف بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي بحكمة عندما وسع الائتمانات عن طريق خفض أسعار الفائدة لأكثر من 12 مرة. وعني ذلك انخفاضاً كبيراً في أسعار الفائدة على قروض التمويل العقاري. وصار بمقدور الكثير من المستأجرين أن يشتروا بيوتاً قديمة أو مبنية حديثاً.
وأوجد هذا الوضع فرص عمل إضافية للتعويض جزئياً عن تلك الوظائف الأميركية والأوروبية التي تم تصديرها إلى مناطق ذات أجور متدنية في العالم النامي. لكن هذا كان جزءاً واحداً فقط من قصة الحظ السعيد.
فإلى جانب الزخم الجديد الذي شكله مالكو البيوت الموجودون لإضافة المزيد من الغرف إلى بيوتهم، أدرك هؤلاء أن أسعار الفائدة المتدنية تسمح لهم بتوسيع سقف اقتراضهم: وعندما تنخفض أسعار الفائدة مثلاً من 6 بالمئة إلى 3 بالمئة، يمكنك مضاعفة دينك واستخدام السيولة النقدية الناتجة لشراء سيارة أفضل أو اقتناء بيت عطلات ثان والإنفاق أكثر على سلع استهلاكية مغرية.
يبدو الأمر وكأنه ضرب من ضروب السحر. شيء مقابل لا شيء. كلا، إن 2 زائد 2 لا تزال تساوي 4 وليس 5. وما كانت طبقاتنا الوسطي تفعله هو ببساطة الاقتطاع من معدل مدخراتهم لصالح زيادة معدل استهلاكهم.
يا لها من معادلة جميلة. باستثناء أن هؤلاء الملايين من أبناء جيل الطفرة المولودين بعد عام 1945 كانوا عملياً يبددون جزئياً المدخرات التي سيحتاجونها خلال سنوات التقاعد الطويلة، دون أن يدرك معظمهم ذلك.
لقد دأبت في الفترة الماضية على وصف مباهج سنوات تصاعد فقاعة العقارات السكنية، والآن قام بنك الاحتياطي الفدرالي، على نحو حصيف، بالارتداد عن أسعار الفائدة المنخفضة والاتجاه إلى رفعها ـ إلى أكثر من الضعف. ويمكن توقع ارتفاع أقساط القروض العقارية الجديدة بما يكفي لكبح قدرة المستهلكين على الإنفاق.
وبرغم ذلك لا يزال أفضل خبرائنا غير قلقين ـ على الأقل إلى الآن ـ من أن تؤدي معدلات الإنفاق المستقبلية الضعيفة بحد ذاتها إلى حدوث ركود اقتصادي أميركي في المدى القريب. والأمر الذي يجب أن يشغل الخبراء هو السؤال التالي:
* هل سيؤدي انهيار قيم العقارات إلى إفلاسات واسعة النطاق وهلع مالي شديد بما يكفي لضرب حتى وول ستريت والثقة الجماهيرية؟ لم يكن الاقتصاد يوماً علماً دقيقاً. لكن بموازنة الدلائل القابلة للمعرفة بعناية، يمكن لرئيس بنك الاحتياطي الفدرالي بن برنانك أن ينعم بنوم هادئ في الليل.
إذا حدث أن تحولت محنة العقارات السكنية إلى خطر يتهدد الازدهار العالمي، فسيكون هناك من دون شك مجموعة كبيرة من البنوك والمؤسسات المالية التي ستفلس وتعجز عن الوفاء بالتزاماتها، مطلقة بذلك شرارة فيضان متعاظم من الإفلاسات خارج قطاع العقارات.
ولا تبدو الآن أية مؤشرات مرئية على مثل هذا الهلع الجماهيري في المشهد الراهن. صحيح أن المقرضين المتعجلين سوف يخسرون أموالاً طائلة، لكن الأصول المدعومة بعقارات تجارية وسكنية حقيقية أصبحت الآن منتشرة على نطاق واسع.
ويمكن أن تنخفض أسعار سوق العقارات بما يكفي لإلحاق الضرر بمعظم الناس: أولئك الذين أفرطوا في الإقراض وأولئك الذين أفرطوا في الاقتراض.. لكن حالما تصبح أسعار الفائدة المرتفعة أكثر من اللازم خطراً واضحاً ينذر بركود وشيك، فإن بنك الاحتياطي الفدرالي، باعتقادي يملك المقدرة والحكمة للبدء في تخفيف قيود الائتمان لإبقاء المعدلات المتوسطة الحالية للنمو الحقيقي في مسار مستدام.
ولابد من الإقرار هنا أنه في 1929 ـ 1930 فشل بنك الاحتياطي الفدرالي وبنك انجلترا في التحرك بسرعة وبفعالية لمواجهة رياح الفتور الاقتصادي العاتية التي كانت في طور التشكل. لكن ذلك كان منذ زمن بعيد جداً، وكانت معارف الاقتصاديين في حينها محدودة جداً.
انظر في لوائح دورات الأعمال في العشرين سنة الماضية لأوروبا وآسيا والأميركيتين وقارنها مع لوائح دورات الأعمال في 1900 ـ 1930. لاحظ كيف خمدت ذروات الوفرة المفرطة. لاحظ كيف تم جزئياً شغل هبوطات الركود المطولة. لاحظ أنه قبل قرن في ظل الرأسمالية الصرفة واستخدام الذهب كقيمة معيارية كانت سنوات الركود تساوي من حيث العدد سنوات التوسع، بينما أصبحت سنوات الركود الآن قليلة نسبياً.
لم يتعلم أحد قط في أي مكان كيف يضبط الأمور بحيث تنتفي دورات الركود والنشاط المتوالية للأعمال. ستظل صدمات العرض، مثل تضاؤل إمدادات نفط الشرق الأوسط تشكل ضغوطاً تضخمية في هذه الألفية. وستظل «أفخاخ السيولة تقوض الآمال بنمو طوباوي ثابت ومستقر.ومع هذا فإننا لحسن الحظ نعيش اليوم في زمن اقتصادي أفضل وأكثر أماناً.
خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»