يعيش العراق لحظات عصيبة، عقدة رئاسة الحكومة تفاقمت ووصلت إلى حالة من الانسداد. الاحتقان الناجم عنها يهدد بخطر انفجار وشيك وكبير. التشبث، من كل صوب، سيد الموقف.

والحلول تبدو معطلة. أو ربما مغيبة. وعليه، البلد في جو من الترقب القلق أو بالأحرى في جو تتجمع فيه غيوم العاصفة. والأدهى ان كل هذا التأزيم وكل هذا اللعب بالنار يجري، عشية بدء الحوار الأميركي ـ الإيراني حول الملف العراقي. وفي بغداد بالذات.

وكأن أهل هذا الملف غائبون أو غير مؤهلين للإمساك بزمام أمورهم بأنفسهم! هل يحمل هذا المشهد، أو يحتوي على عناصر وصاية ما، بمشاركة دولية إقليمية على العراق؟

رئيس الوزراء المكلف بتشكيل حكومة عراقية جديدة، سقطت مهمته في المراوحة، مضت عليها أسابيع، من دون جدوى، هبت المطالبات والدعوات له بالتنحي عن منصبه. ارتفعت بوجهه فيتوات كثيرة. أصوات، حتى من جبهته، بدأت تطرح وجوب رحيله. الأسباب والمآخذ المتداولة كثيرة.

بصرف النظر عن مدى وجاهتها رجحت الكفة ضده. مع أنها تبدو غير خالية من المآرب والحسابات السياسية. وربما ليست خالية من الألغام، المزروعة خلسة فيها.

جاءت الوزيرة رايس ومعها الوزير سترو إلى بغداد، بزعم المساعدة على حلحلة العقدة، للإسراع في تشكيل الحكومة! الرئيس المكلف عاند وتمسك بأصول اللعبة. وقفت إلى جانبه قوى حليفة وازنة، لمساندته مع تلميحها بأوراق أخرى، لو اشتدت الضغوط عليه لإخراجه.

تصاعد الفرز وبات الموقف محكوماً بوجهة الحسم: إما عن طريق البرلمان وإما عن طريق مواجهة عسكرية مع أحد حلفاء الرئيس المكلف. فالتقارير تتحدث عن احتقان الوضع في مدينة النجف وعن استعدادات أميركية لجولة عسكرية مع قوات المهدي. والتحذيرات تتوالى عن وقوع الانفجار بينهما «في أية لحظة».

واكب ذلك حديث مكرور، في الآونة الأخيرة، عن انتعاش كبير «لسوق السلاح الفردي» في العراق؛ كما عن دعوات لتحويل المدارس إلى شبه مراكز عسكرية محمية بالسلاح. وإذا كان ذلك يشي بشيء فهو أن أجواء الإعصار القادم باتت تطبق على البلد من كل صوب وأن التحسب لها يجري على قدم وساق.

من هنا لابد من التساؤل هل فعلاً هي أزمة حكومية مستعصية تستلزم كل هذا الاحتقان والتصعيد و.. ربما المواجهة الميدانية؟ أم أن العقدة جرى تأزيمها بشكل درامي لتكون مدخلاً إلى إرساء مكونات مشهد عراقي جديد؟

إذا كانت العملية حقيقة ديمقراطية، فلماذا لا تأخذ اللعبة مجراها الحقيقي، ثم إذا كان الرئيس المكلف يتمسك بالديمقراطية فلماذا يتعمد التلميح إلى «تحرك الشعب إذا لم تحترم قواعد اللعبة»؛ في حين أن شريحة من ائتلافه تدعوه إلى الانصراف؟

لماذا كل هذه البلبلة واختلاط الحابل بالنابل وفي هذه اللحظة بالذات؟ ثم كيف يمكن للرئيس المكلف أن يصر على دوره في وجه كل هذا الاعتراض العريض عليه؟ هل هي اللعبة الديمقراطية أم هناك لعبة أخرى، لا يدري اللاعبون بخيوطها فصاروا أسرى لحبكتها؟

أسئلة تمليها الوقائع التي تفوح منها روائح تعطيل العملية السياسية وإجهاضها بحيث يصير البلد غير قادر على النهوض من دون رعاية خارجية. وهو احتمال لا يقهره إلا استدراك وطني لوضع الأمور في نصابها واستعادة العراق من أشداق التآمر للقضاء عليه.