صورة السياف مسرور الواقف بين أيدي أمير المؤمنين هارون الرشيد ظلت تداعب خيالنا منذ الطفولة، كأنها ملحمة عربية صميمة، حين بدأنا نقرأ أمهات كتب الأدب العربي مثل كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني وكتاب العمدة لابن رشيق القيرواني وزهر الآداب للحصري وكذلك أدب الخيال مثل ألف ليلة وليلة.

وتواصلت صورة السياف مسرور ترافقنا مع قدوم الأفلام المصرية الأولى الأبيض والأسود والمستوحاة من قصص ألف ليلة وليلة، والتي نرى فيها من خلال شاشاتنا القديمة ذلك الرجل الأسود البدين القوي مفتول العضلات والممتشق سيفا ضخما وهو يأتمر بأوامر الخليفة العباسي الذي كان يجسده الممثل المصري عباس فارس بصوته الجهوري كلما ناداه: يا مسرور اقطع رأسه.

وكان يقوم بدور مسرور نفس الممثل المصري على مدى ربع قرن ونظل نحن الأطفال المساكين نرتعد في قاعة السينما مع الضحية الذي لا يملك استئنافا ولا نقضا للحكم البات والفردي، ويغمض الحساسون منا وذوو القلوب الرقيقة عيونهم إلى أن يمر مشهد قطع الرأس، الذي عادة ما يكون في السينما إما رأس أنور وجدي في الأفلام الدرامية أو رأس إسماعيل ياسين في الأفلام الكوميدية.

ومع مرحلة الاستعمار في بلاد المغرب العربي عشنا بالفعل مأساة السياف مسرور لكنه هذه المرة يخدم ركاب المحتل الفرنسي ويلاحق المجاهدين ويغتال المقاومين ورأينا (مسرور) يرفع سيفه البتار لينال من حقوقنا في الاستقلال والحرية وهو موظف في إدارة المستعمر.

وحين حصلت بلداننا على استقلالها، تذبذبت حكوماتنا الوطنية بين انتهاج نهج الوفاق والمصالحة وبين اتباع طريق تصفية الحسابات بين الفرقاء والخصوم والمتنافسين على السلطة، فعاد شبح السياف مسرور يرتاد بلاطات الحكم في مرحلة ما بعد الاستقلال

وشهدت تونس فتنة الانقسام الخطير والدموي بين بورقيبة وغريمه ورفيق كفاحه المرحوم صالح بن يوسف، وشهدت المملكة المغربية صراعا بين الملك محمد الخامس والسلطان بن عرفة وعاشت الجزائر فواجع التصفيات بين فصائل الدولة بعد التحالفات في مرحلة الثورة وكان آخر ضحاياها المرحوم الرئيس محمد بو ضياف عام 1992.

وأنا أكتفي بذكر السياف المغاربي مسرور لأني لو فتحت معاجم تاريخ السياف المشرقي مسرور لاحتجنا إلى مكتبات كاملة. ولكل مثقف ومواطن مصري وشامي وعراقي وسوداني أن يستعيد التاريخ القريب لبلاده ليدرك بأن السياف مسرور هو أيضا مصري وشامي وعراقي وسوداني، وبأن ضحاياه بالآلاف منذ أكثر من نصف قرن.

وظلت نداءات الأمراء للسياف مسرور هي ذاتها مع بعض التغيير في التفاصيل. ومع انتقال السلطة بين يوم وليلة من حاكم إلى حاكم آخر بالانقلابات وبيانات الساعة الأولى تغيرت ملامح الديكور وتبدلت الشعارات البراقة وتحولت الأساليب، لكن الذي لم يتغير هو السياف مسرور.

بقي كما هو بسيفه المهند يقف وراء العرش ويأتمر بأوامر صاحب العرش وينفذ ويطيع مع تغيير في الرؤوس المقطوعة، بل انك تحسبه لا ينظر من هو الجلاد ومن هو الضحية. ولا يهمه من الذي يعطي الأمر ومن الذي يروح في داهية.

المهم بالنسبة إليه هو رفع المهند المسلول ليهوي به على رقبة بائس مغلول في القيود دون أن ترف لمسرور عين ولا أن تصيب يده رعشة، وبلا أي حزن ولا تردد ولا سؤال ولا ندم يواصل أداء وظيفته كالآلة الخرساء العمياء.

إنه مسرور الأبدي الأزلي. ماكينة القتل والرحم الذي يولد منه جنين النظام الجديد. مسرور الدائم منذ خمسة عشر قرنا من التاريخ العربي! ومنطق الرأس المقطوع كان هو مبدأ الاستيلاء على الحكم في دولة المماليك،

حيث لا يبايع حاكم على العرش إلا بعد أن يقدم للجمهور رأس سلفه مقطوعاً فتحل البيعة ويستوي القاتل الجديد على العرش منتظرا تنفيذ المنطق نفسه يوماً من الأيام على يد شقيق أو صديق أو عدو متربص، لأن مسرور يلازم مكانه بطلعته العملاقة وبسيفه المتعطش للدم، لا يتحرك إلا بأمر الواقف على قدميه ليضرب عنق الجاثي على ركبتيه، مهما كان الواقف وكان الجاثي.

فمسرور العربي لا يفكر ولا حق له في العواطف كبقية البشر لأنه أشبه بالآلة البشرية، ولد لكي ينفذ: جهاز لتغيير الوضع دون أن يرف له جفن أو يصحو ضمير. وقديما كان المسرورون (جمع مسرور) يتوارثون المهنة أباً عن جد وكابراً عن كابر، وينتقل السيف البتار من جيل إلى جيل ويلقن الكبير للصغير أصول المهنة.

اليوم علينا أن نبادر بلعنة هذا المنطق المقلوب ونحل القانون والمؤسسات محل الارتجال والحقد ونعلن عن موت مسرور بلا أسف أو إحالته للمعاش يستريح من تاريخ أسود من المكر والخديعة والبغضاء. فالناس في الوطن العربي بخير، وقد ارتفعوا بالثقافة المعولمة إلى مصاف الشعوب التي تفكر وتبدع وتبني وتشارك.