بئس الاعتقاد الفلسطيني ومن خلفه الإيمان العربي والدولي بإمكانية تحقيق اختراق في جدار التعنت الإسرائيلي باتجاه السلام، ذلك أن هذا المناخ السياسي، الذي توج أخيراً بإبداء حركة حماس قبولها بحل القضية الفلسطينية على أساس وجود دولتين.. إسرائيلية وفلسطينية،
تتعايشان بسلام تحت سماء شرق أوسط عروقه فاضت بدماء تغلي أينما وليّ المرء وجهه، يتجاهل متعمداً المعادلة الأصل القائم عليها الكيان الصهيوني العنصري ودولته العبرية الغارفة بأوهامها التوراتية.
معادلةالأصل هذه لا تعرف طريقاً للمواربة واللف والدوران.. منطقها لا يبالي بوسيلة تحقق هدفاً ولا يرى حقاً بل قوة يفرض بها ما يريد وأصحابه يدركون أن ذهاب هذه القوة يعني بالضرورة ذهاب المشروع برمته والأوهام لا تجد تالياً أي منفذ إلى عقول من يتمتعون بتلك القوة.
الأوهام سلة غذاء الضعفاء ومن لا حول له ولا قوة إلا التذرع بها.. لكن أن يصبح لها في فم هؤلاء وعلى لسانهم مذاق يتلذذون به، فتلك ظاهرة غريبة على بني البشر.. قوامها خلل أو عطل في عملية تحول الإحساس المادي إلى فكرة مجردة. فكل المؤشرات المرئية والسمعية وما تبقى من أخواتها الحسية تؤكد مرة تلو الأخرى على واقع يفترض ألا يختلف حوله عاقلان.
الدولة العبرية وكل المنظمات والشخصيات الصهيونية والمتصهينة تقول بالفم الملآن إنها لا ترى شريكاً في أي عملية سلمية قد يحبل بها الشرق الأوسط الصغير والكبير على حد سواء.. الواهمون يدعون أن ثمة مشروع سلام يتحرك في المنطقة.. متجاهلين ذلك الواقع أو جاهلين به وفي كلتا الحالتين المصيبةأعظم.
لكن عدم رؤية شريك مسالم أو حتى مستسلم لا يمكن أن تفسر على قاعدة تفضيل هذا الحزب الإسرائيلي على ذاك، ذلك لأن الحراك السياسي داخل المجتمع الإسرائيلي تحكمه قواعد المعادلة الأصل وليس أي تطورات أو مناخات لاحقة لها، كما أن ذلك الحراك لا يأبه بما يحدث على الساحة الفلسطينية،
حيث لم يشكل موضوع ارتقاء حركة حماس إلى سدة سلطة غريب ألا ترى على واقعها المفجع بأنها ولدت ميتة، سوى ذريعة أخرى، لكنها منطقية هذه المرة، لاستمرار التعنت الإسرائيلي سيئ الصيت قبالة كل المشاريع المغرضة وحسنة النية على حد سواء، التي طرحت حتى الآن في محاولة لإيجاد حل لنزاع طال أمده وناطحت تبعاته السماء.
حركة حماس وافقت أخيراً على الحل القائم على دولتين وبذلك خرجت من عباءتها وخذلت الناس الذين أدلوا لها بأصواتهم على أساس برنامج يكتنف الغموض كل ما فيه ما عدا موقف الحركة حيال الدولة العبرية والرافض لوجودها.
ولقد راحت الحركة أيضاً تتبجح بأنها تمكنت من إحداث اختراقات دبلوماسية في العديد من مواقف الدول الرافضة للالتقاء بها قبل أن تعترف بدولة إسرائيل وبحقها بالوجود.
بذلك تكون حركة حماس قد دخلت المعترك السياسي الرسمي من البوابة ذاتها التي دخلت منها نظيرتها حركة فتح، مع العلم أن الأخيرة ورغم كل المزايا التي تتقدم بها على حركة حماس من ناحية الشرعية التاريخية، لم تتمكن من إحداث أي اختراق في جدار التعنت الإسرائيلي، رغم كل التنازلات الاستراتيجية الخطيرة التي قدمتها على مذبح عملية سلمية واهية.
خطأ جسيم الظن بأن الائتلاف المنتظر بين حزب العمل الإسرائيلي التاريخي ونظيره كاديما حديث العهد قد جاء على ضوء حراك سياسي طبيعي داخل الدولة العبرية.. وبأن شرعيته مستمدة من عملية ديمقراطية نزيهة،
فالديمقراطية كظاهرة حضارية، لا تقوم على أشلاء شعب آخر ولا تدفع فاتورتها من دماء أبنائه، الذين سيؤول مصيرهم في ظل هكذا ائتلاف إلى العيش في سجن كبير تعسكر إسرائيل في قلبه وتحرسه من الخارج قواتها المدججة بأرقى ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية، فأين حماس من كل ذلك؟