تثير التحولات المختلفة التي يمر بها العالم العربي الآن مجموعة من القضايا المختلفة على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولا تنفصل هذه القضايا عن حالة الضعف العربي الراهنة أمام الانتهاكات الإسرائيلية المختلفة بشكل خاص ، وأمام الضغوط الغربية الأميركية بشكل عام.

هذه القضايا بتركيبتها الجديدة تمارس عداءها الشديد لجملة من القضايا التي تبناها العرب طوال العقود الماضية من أجل الدفاع عن أنفسهم تجاه العدوان الإسرائيلي الأميركي المشترك.

ولأن لكل مرحلة قضاياها الخاصة بها، فإن المرحلة الراهنة قد كشفت بشكل واضح وجلي عن نوازعها وتوجهاتها تجاه المنطقة العربية وتجاه الصراع العربي الإسرائيلي، وتجاه الآخر الغربي الأميركي.

من أكثر القضايا المطروحة الآن على الساحة العربية نبذ المقاومة وضرورة إيجاد قنوات مشتركة من أجل الحوار مع الآخر، سواء أكان هذه الآخر إسرائيليا أو أميركيا أو بريطانيا، المهم هو نبذ فكرة المقاومة والسعي وراء قنوات الحوار المختلفة.

تثير مسألة المقاومة هذه حفيظة قطاع جديد من الكتاب العرب ، من خلال العديد من الدعاوى الانهزامية المبتذلة، مثل الضعف العربي الحالي، وقوة العدو، وعدم جدوى المقاومة ذاتها.

وعند هذا القطاع توجد العديد من الحجج والبراهين ، فالعالم الذي نعيشه الآن يعتمد على الحوار أكثر من أي شيء آخر، كما أن ما لا نستطيع الحصول عليه بالقوة يمكننا الحصول عليه من خلال الحوار.

اللافت للنظر هنا أنه بينما كانت شعارات المرحلة السابقة هي المقاومة ورد العدوان أصبحت المرحلة الحالية تردد شعارات نبذ المقاومة والرضوخ للآخر واملاءاته. لقد تحول العالم العربي من المقاومة إلى مقاومة المقاومة والعمل على إزاحتها من خريطة العمل العربي الحالي.

والغريب أن هذا النوع من الكتاب يضرب العديد من الأمثلة المريضة والواهية على أهمية الحوار في تعظيم استفادة العرب، حيث يشير إلى اتفاقيات السلام المنقوصة مع إسرائيل، وعلى رأسها اتفاق أوسلو الذي لم يمنح الفلسطينيين شيئا حتى الآن.

اللافت للنظر أن هؤلاء وهم يتحدثون ليل نهار عن أهمية الحوار وجدواه، لا يقتربون من قريب أو بعيد من الاحتلال الأميركي العسكري للعراق وأفغانستان، كما لا يقتربون أيضا من قريب أو بعيد من البربرية العسكرية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين.

اللافت للنظر هنا أن هؤلاء الكتاب وهم يرفضون خيار المقاومة ويستهجنونه، يقبلون بمفردات الأجندة الغربية كما هي بدون مساءلتها، ناهيك عن نقدها.

فالوضع في العراق يتم التعامل معه من خلال مقولات الآخر الأميركي، حيث تصبح أعمال المقاومة ضد الأميركيين في العراق ومقاومة الفلسطينيين للعدوان والبربرية الإسرائيلية إرهابا وقصر نظر عربي، وعدم قدرة على الحوار والتفاهم.

البعض يصل به الحد إلى نقد أعمال المقاومة الحقيقية في العراق بوصفها تمردا على الدور الغربي الأميركي في تحرير العراق من الديكتاتورية ونشر ثمار الديمقراطية بين رحابه.

ولأن هؤلاء لا يؤمنون بالمقاومة فإنهم يتوحدون بالمتسلط وبدعاواه وحلوله المطروحة، في مقابل ذلك، فإنهم يوجهون أسلحتهم ضد الداخل العربي، حيث يهاجمون هؤلاء الذين مازالوا يؤمنون بخيار المقاومة والدفاع عن النفس والأرض والعرض.

ولعل حالة الاستنفار التي سببها وصول حماس إلى الحكم، خير دليل على ذلك؛ فالكتابات العديدة التي بشرت ومازالت تبشر بانهيار حماس وفشلها، خير دليل على ما أصاب هؤلاء الكتاب من ابتذال وصفاقة وجبن تجاه أي فصيل يرفع شعار المقاومة تجاه إسرائيل وأميركا.

الغريب في الأمر أنه رغم هذا الكم الضخم من الكتابات التي ظهرت ضد حماس، وتمنت فشلها وسقوطها، فإننا لم نسمع من هؤلاء أي شيء يتعلق بالموقف العبثي الغربي تجاه حماس، والرغبة الأميركية العارمة نحو تجويع الشعب الفلسطيني.

الموقف نفسه نجده تجاه حزب الله ودوره في لبنان، حيث الاجتراء المبالغ فيه ضد الحزب ودوره في مقاومة إسرائيل وإجبارها على الفرار من لبنان. لا تقف المسألة عند هذا الحد تجاه حزب الله، فالهدف أخبث وأشد وقاحة، حيث تجريد حزب الله من سلاحه تحت دعاوى إدماجه ضمن الجيش اللبناني.

وفي الوقت الذي يردد فيه هؤلاء هذه المقولات ضد حزب الله فإنهم لا يشيرون إلى أي ضمانات يمكن من خلالها التأكيد على أمن حزب الله وأمينه العام، وكيفية الدفاع عن الجنوب اللبناني ضد أي عدوان إسرائيلي. وإذا كانت إسرائيل قد اقتحمت سجن أريحا في ظل الحماية الأميركية البريطانية التي لم توفر الأمن والحماية للسجناء،

فكيف يمكن لحزب الله أن يترك سلاحه ويرفض خيار المقاومة في ظل أي ضمانات أخرى سواء أكانت غربية أم عربية. أغلب الظن أن هؤلاء الذين يدعون حزب الله لنزع سلاحه، يمنحون إسرائيل فرصة الخلاص من الحزب ومن أمينه العام.

إن الذين يرفضون سلاح المقاومة هم من المستفيدين من الوجود الغربي في المنطقة العربية. فالتمويل الأميركي الحالي على أشده لمراكز البحوث والمواقع والصحف والأقلام العربية التي تنشر خطاب الاستخذاء العربي الحالي الرافض للمقاومة والمبشر للوجود الأميركي في المنطقة العربية.

اللافت للنظر هنا أن البعض يروج لخطاب المهادنة والاستخذاء بشكل مجاني حيث يحيل الجبن الكثيرين إلى مجرد أبواق لتطبيق التوجهات والسياسة الأميركية في المنطقة العربية. المطلوب الوقوف في وجه هؤلاء الداعين إلى وقف المقاومة، والعمل على توسيع دائرة المقاومة، وخلق المناخ المواتي لنجاح جهودها وتفعيل خطابها.

كاتب مصري