الصدفة أوقعت في يدي ورقتين يسميهما كاتبهما بحوثا علمية، وهي لا تمت للبحث العلمي بصلة، لأنهما عبارة عن مجموعة من التعميمات والأحكام العنصرية المعششة في رأس كاتبهما، والذي يسمي نفسه باحثا وأكاديميا. هذا «الباحث» يتبوأ منصبا اداريا مهما في احدى مؤسساتنا التعليمية، وقد استقطب للاستفادة من «خبراته»، ولتطوير القطاع الذي يعمل به.

يقول هذا الباحث، في جزء من ورقته واصفا الطالب المواطن بأنه «كسول، فهو يحاول إنجاز مهامه اليومية بأقل مجهود جسدي ممكن، وأنه يأكل بشراهة تزيد من حجم تكتله الجسدي غير آبه بحالته الصحية العامة».

أما الطالبات المواطنات فيقول عنهن «جزء منهن مشغول بالوظيفة التي من الممكن أن يسمح لهن بشغلها في المستقبل بعد التخرج، والبعض منهن ليس لديهن أية فكرة عن العمل ومستلزماته، فهن يعشن حياة مرفهة مثل الأميرات الضجرات».

ويضيف هذا الأكاديمي، بأن طلبة الإمارات، بنين وبنات لا يحملون تقديرا للتعليم ولا يعتقدون أنه يجب عليهم بذل أية مجهود لتحصيله، وبأنه لا يشكل جانبا مهما في حياتهم، مقارنة بأهمية التسوق على سبيل المثال، كما أنهم ينظرون للمرحلة الجامعية كفرصة لأن يكونوا بعيدا عن الأسرة ومع أصدقائهم، وليس كمرحلة تعلم وتنور وكفاح.

ويورد الباحث هنا مثالا لتوضيح فكرته فيقول يجتمع هؤلاء الطلبة في المقهى المخصص لهم، ليس بهدف الاستذكار أو مناقشة مواضيع أكاديمية أو لحل واجباتهم ولكن لأهداف اجتماعية بحته؛ فالطالبات يجتمعن للحديث عن العطور والموضة، والشباب للحديث عن السيارات.

ثم ينتقل الباحث للحديث عن ملابس الطلبة، فيقول « هناك نوع من التوتر موجود بين الطلبة، حيث أن بعض الطلبة العرب المنتسبين للجامعة من اللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم يلبسون ملابس غير إسلامية ( الجينز والتي شيرت) مما يجعلهم يشعرون بالغربة،

وبأنهم مختلفون عن الأغلبية المهيمنة من المواطنين الملتزمين بزيهم التقليدي، مما يعكس هيمنة وسيطرة الزى الإسلامي والزي الإسلامي الذي يقصده الباحث هنا هو الزى الوطني المتمثل في العباية والكندوره والذي رأى أنهما يمثلان ما أسماه ب«الدكتاتورية الصامتة» والتي تتجلى كما يقول في بعض الممارسات العنصرية ضد هؤلاء الطلبة.

كما أنه يرى أن الاختلاف في الملبس بين الطلاب المواطنين والأقلية من الوافدين، «يعكس ويؤكد على وجود هوة ثقافية، وأنه يقودنا إلي ملاحظة مهمة، وهي أن هذه المؤسسة التعليمية مؤسسة إسلامية وليست علمانية».

أما فيما يتعلق بزملائه من الأكاديميين الذين هم من غير ملته من المواطنين والعرب فقد صورهم في بحثه هذا ب«المغلقين على أنفسهم والغارقين في محليتهم والرافضين للتغيير والتقدم والانفتاح على العالم،

وغير القادرين على مواكبة تقدم التكنولوجيا التعليمية والمتبعين للطرق التدريسية العقيمة والقديمة التي مازالت تركز على الحفظ،، وتحكمهم القدرية وثقافة إن شاء الله » .

هذه الملاحظات التي طرحها الباحث، كما هو واضح، لم تخرج عن نطاق ما يسمى بخطاب ما «بعد الاستعمار»، ذلك الخطاب القائم على الثنائية الديكارتية، والقائمة على الفصل والتمييز وتفوق العنصر الغربي.

فحين يصور الرجال من طلابنا بأنهم كسالى، خاملون، شرهون ومنغلقون على ذواتهم وبعيدون عن فعل الفكر والتعلم، أي أنهم بذلك على النقيض من طلاب الجامعات الغربية الأكثر نشاطا وحركة، المقدرين للعلم والعمل، المنفتحين على العالم والقادرين على التغيير والتقدم، فهذه نظرة لا تختلف بتاتا عن نظرة المستعمِر للمستعمر.

أما حديثه عن طالباتنا فإنه لم يخرج أيضا من هذا السياق، حيث المرأة من دول «العالم الثالث» في الخطاب الاستعماري، وكما تقول أهم منظرتين في هذا المجال، شاندرا موهانتي وجياتري سبيفك، «جاهلة، فقيرة، ضعيفة، ملتصقة بالتقاليد، ضحية، لا حول لها ولا قوة، ومستلبة جسديا وفكريا، وهي هنا على عكس المرأة الغربية، المنطلقة، المتعلمة، والحرة في اختياراتها وقراراتها«.

هذه هي طروحات المستعمرين عبر التاريخ، وهذي هي الطروحات التي استخدمها المستعمر الغربي لتبرير استعماره للآخر وإيجاد شرعية لممارساته التعسفية ضده. وكلها استخدمت بحجة التحديث والمدنية، الديمقراطية، أو بحجة تقويض الدكتاتوريات والقيم الإرهابية.

هذا بعض مما ورد في أوراق هذا الباحث، وهناك الكثير من الطروحات العنصرية الأخرى وردت أيضا، لكن لا يسعني التركيز عليها هنا، غير أني أود التعليق وتحليل بعض المفاهيم والأطر النظرية التي ركز عليها الباحث، ومن أهمها مفهوم العلمانية والتي يعتقد الباحث أن سبب غيابه في هذه المؤسسة التعليمية مسؤول عن تخلفها.

والعلمانية التي يقصدها الباحث هنا ليست ذلك المفهوم البسيط المتلخص في فصل الدين عن الدولة وعن بعض الجوانب الحياتية، لأن العلمانية بهذا المعنى انتهت نتيجة لما طرأ على المجتمعات من تحولات، وأعتقد أن باحثنا على علم ودراية بهذه التحولات بحكم تخصصه الفلسفي،

لكن مفهوم العلمانية الذي قصده هو العلمانية ذات الوجه الدارويني القائمة على فصل القيم والأخلاق والغايات الدينية والإنسانية وتحكيم القوانين المادية على كل الجوانب الحياتية، أي نزع صفة القدسية من العالم وتحويله إلى مادة استعمالية وأدواتية يمكن إدراكها ماديا،

ويمكن لمن يملك القوة توظيفها لصالحه. وهو ما نراه اليوم، حيث يسود العلم المنفصل عن القيمة ويتحول الإنسان من غاية إلى وسيلة يمكن استخدامها وتطويعها حسب الحاجة وخدمة للمصلحة.

العلمانية بهذا المعنى، والمتضمنة في خطاب باحثنا، ما هي إلا جوهر فكرة الامبريالية التي يحاول الغرب تطبيقها خارج حدوده، سعيا نحو استغلال العالم، وهي فكرة يحاول باحثنا الترويج لها من أجل خلق جيل قابل للاستغلال والاستعباد.

فحين يبدي هذا الباحث الغربي رغبتة في تغيير و« تحديث « النظام التربوي عندنا فإن من الواضح أن هذه الرغبة ليست منطلقة من تطوير التعليم بالشكل الذي يعزز ويحافظ على منظومتنا القيمية والثقافية، ولكن الهدف هو إضعاف وتقويض هذه المنظومات، إذ من الواضح أن الباحث في حالة تأزم كبيرة بسبب هيمنة وسيادة الزي الإماراتي في المؤسسة

حيث أسماه بـ «الدكتاتورية الصامتة«، ويعتقد أن تمسك أبنائنا الطلبة به انما هو محاولة لقهر وعزلة الأقلية غير المواطنة، والتي أعتقد أنه يصنف نفسه كجزء منها، متناسيا أنه في دولة عربية خليجية لها تقاليدها ورموزها الثقافية الواجب احترامها.

هنا نرى أن خبيرنا هذا المستقطب لتطوير التعليم لا يريد الارتقاء بالبرامج الأكاديمية مع الأخذ في الاعتبار احترام السياق الثقافي والديني للمكان ، إذ ليس السعي نحو ترسيخ العلمانية في مؤسساتنا الوطنية من قبل الخبراء الأجانب إلا سعيا في هذا السياق مسخرا إلى تقويض منظومتنا الثقافية التي تعزز تماسكنا وتساعدنا على مواجهة التحديات المختلفة.

في النهاية يبقى لنا أن نسأل أنفسنا سؤالا واحداً وهو، ما الذي يجبر مسئولينا على استقطاب وإهدار جزء من ثرواتنا على مثل هؤلاء من حملة الفكر الاستعماري؟ الغرب مليء بأصحاب الخبرة والفكر الإنساني النير والمعتدل، فلماذا عندما نستقطب نجلب الأسوأ والمحدود في فكره ورؤاه الإنسانية. وإلى متى سيستمر عدم الاعتراف بالخبرة المواطنة، وهي سند الوطن الحقيقي؟

جامعة الإمارات