مرة أخرى وقبل أن ينقشع دخان حريق الضواحي الذي أشعله المهاجرون تشهد فرنسا اضطرابات كبيرة امتدت إلى 150 مدينة وآلت بعد أيام من بدايتها إلى اشتباكات عنيفة وشمل القاموس الذي استخدمته وسائل الإعلام لوصف المشهد مفردات من نوع: مظاهرة مليونية، مواجهات، مصابين، حجارة، مواجهات،

والمأزق الذي تواجهه فرنسا لا يختلف كثيرا عن مثيل له مر بألمانيا في نهاية عهد شرودر الذي تبنى إصلاحات اقتصادية مماثلة أثارت ضجة كبيرة ورغم هذا كان المستشار غيرهارد شرودر مصراً عليها رغم الرفض الجماهيري الواضح الذي وجهت به، وقد كانت هذه الإصلاحات أحد أهم وصول أنجيلا ميركل لمنصب المستشار لكون هذه الإصلاحات اعترافا بأن «الرأسمالية» أكثر كفاءة من الاقتصاد المختلط الذي طبقته لسنوات فرنسا وألمانيا.

الثورة على الإصلاح

وما حدث يكشف أولا عن درجة التجذر التي تتصف بها الثقافة الثورية في الوجدان والعقل الفرنسيين، وحسب رئيس وزراء فرنسا دومينيك دو فيليبان فإنه «في فرنسا يبدو الإصلاح وكأنه ضد طبيعتنا والثورة وحدها هي القادرة على أن تتغلب على الجمود وتفرض التجديد»،

فهذه الاحتجاجات تشير إلى هذه السمة التي هي من بقايا التاريخ الثوري لفرنسا، والمنطق الثوري الفرنسي هو أحد التفسيرات المطروحة في فرنسا حيث يرى البعض أن فرنسا لا تستطيع العيش دون شيئين: الفلسفة والثورة وأنه لابد كل عقد من الزمان من فلسفة تؤدي إلى ثورة.

وما يحدث هو فعليا «ثورة ضد التغيير» سعيا للحفاظ على مكاسب اعتبرها الآباء من «الحقوق الثابتة» أو من المسلمات وهي ليست كذلك. وجزء كبير من المسؤولية يتحمله السياسيون الخائفون من إطلاع شعوبهم على الحقائق وتبصيرهم بها، فالمقارنة ليست بين ما يمكن أن يتيحه القانون الفرنسي للعمل الأول من عقود غير مضمونة وبين الوظائف الدائمة المستقرة بل بين العمل لفترات قصيرة أو لا عمل على الإطلاق.

والحكومات الفرنسية المتعاقبة مسؤولة عن الوضع الحالي بسبب «النفاق المنظم» الذي تعاملت به مع المواطنين، وهو ما تفضحه حقيقة أن فرنسا تدعو بحماس لإنشاء سوق أوروبية مفتوحة تخضع لقواعد الحرة وفي الوقت نفسه دعت داخليا لحماية الصناعة بوصفه مطلبا قوميا وفي المقابل اعتبرت العولمة الثقافية خطراً داهماً.

وبسبب هذه الثقافة لم يكن غريبا أن يكون سقف طموح 75% من الشباب الفرنسي الحصول على وظيفة حكومية. )»الثورة ضد التغيير» ـ سجيني دولرماني ـ الأهرام القاهرية 4 ـ 4 ـ 2006.

السياسة بين البرلمان والشارع

وهذه الطبيعة الثورية تعد المقدمة الطبيعية لخروج السياسة من البرلمان إلى الشارع حيث الكلمة الأولى والأخيرة هي للغضب الشعبي وعندئذ تغيب مقتضيات الكفاءة والعدالة والمنطق كما تصبح ممارسة السياسة بشكل مباشر وهو موقف ثوري يرفض التمثيل النيابي ومن ثم فيمكن اعتباره نوعا من الانقلاب الصامت على الديمقراطية،

في الوقت نفسه فإن الشارع بمنطق التظاهرات والرشق بالحجارة إلى آخر الممارسات الثورية يحول «المكاسب الاجتماعية» إلى ثوابت لا يجوز النقاش بشأنها وبالتالي فإن الدولة في هذه الحالة تتحول إلى «دولة طبقية» تنحاز إلى طبقة على حساب طبقات أخرى وهي أوجه شبه مهمة جدا بين الفكر الثوري الفرنسي والفكر الماركسي الذي يخفي وراء الحديث عن الطبقات رفضا لفكرة المساواة الإنسانية.

في الوقت نفسه فإن الأزمة كلها تعني ضمنا الاعتراف بأن «تسييس» القرار الاقتصادي يؤدي للفشل وهو نفسه درس انهيار الاتحاد السوفييتي، أولا بسبب تغليب الاعتبارات الأيديولوجية على اعتبارات الكفاءة وثانيا لكون الفكر الثوري بطبيعته الجامدة ومنطقه الحدي لا يقبل الحلول الوسط،

ومن ثم فإن هذا المشهد الفرنسي هو أقرب ما يكون لمشهد فترة حكم ميخائيل غورباتشوف للاتحاد السوفييتي عندما أطلق «الغلاسنوست» ثم «البرسترويكا» بأمل تطعيم الرؤية الاقتصادية السوفييتية بشيء من الرأسمالية.

والأزمة الفرنسية متعددة الأوجه، فإلى جانب مشكلة البطالة هناك مشكلة الشيخوخة التي تسببت في اضطرابات مماثلة قبل أعوام عندما سنت الحكومة الفرنسية قانونا جديدا للتقاعد يسلب العاملين بعض مزاياهم بسبب اختلال التوازن بين من يعملون ومن يتقاضون رواتب تقاعدية، ومن ناحية أخرى هناك مشكلة المهاجرين التي لا شك في أنها تزيد مشكلة البطالة تفاقماً،

وكلتا الأزمتين ساعدت مفاهيم ثقافية في ظهورها وانتشارها، كما لعب المزاج الثوري دورا في تأجيل توقيت اتخاذ القرار وتحويل القضايا قضايا خلافية تقبل الحوار بشأنها إلى مواقف جذرية واللجوء دفاعاً عنها إلى العنف كما حدث في انتفاضة الضواحي قبل أشهر وكما يحدث الآن، وهي اختبارات متتالية لمدى صلابة الفكر الثورية وقدرتها على المنافسة.

والملفت أن النقابات تقوم بدور كبير وتحرك الجماهير والملفت أكثر أنها يسارية التوجه بشكل كاسح وهو أمر يبدو حتميا لكنه ليس كذلك بالمرة، وهذه النقابات ترفض أية مواءمة أو حل وسط وتحول ما هو «سياسي» إلى شأن «أيديولوجي». إنها «الخصوصية الحضارية» الفرنسية عندما تستخدم التحريض وتقرر الاحتكام للشارع!.

كاتب مصري