في السادس من أبريل عام 1985، وبينما كان الرئيس السوداني جعفر نميري محتجزاً في القاهرة، فوجئ الشارع السوداني الذي ظل فائراً لمدى أيام وليالٍ متتالية بوزير دفاع النظام الفريق عبدالرحمن سوار الذهب يلقي بياناً مبثوثا على الأثير يعلن فيه استيلاء الجيش على السلطة.

كان مشهداً غريباً: الجيش يختطف انتفاضة شعبية ليحولها إلى انقلاب. ولكن كان ذلك بالضبط هو السيناريو الذي رسمته سلفاً الولايات المتحدة. قبل أسابيع عدة من اشتعال الشارع جاءت الى الخرطوم في زيارة رسمية معلنة شخصية أميركية مهمة: نائب الرئيس جورج بوش الأب.

لقد كانت بحسب نتائجها زيارة تاريخية حقاً. وأهمية الزيارة لم تتجسد في اجتماعات بوش البروتوكولية مع كل من الرئيس نميري ونائبه الفريق عمر محمد الطيب وإنما تجسدت في اجتماعات سرية مع قادة النقابات المهنية من ناحية وأبرز قادة المعارضة الحزبية ـ الصادق المهدي ـ من ناحية أخرى.

هذه التفاصيل وكل ما تعلق بزيارة بوش التاريخية نشرها في حينها الكاتب الصحافي البريطاني المخضرم كولين ليجوم في عموده الأسبوعي ذي العنوان الثابت «رسالة لندن» في صحيفة «نيويورك تايمز».

ويقول ليجوم ان بوش ألمح في اجتماعه مع كل من بعض الشخصيات النقابية المهنية والصادق المهدي إلى أن الولايات المتحدة لا تعترض «مبدئيا على التغيير»، معطيا بذلك ضوءا أخضر بطريقة غير مباشرة للمعارضة.

إلا أن نائب الرئيس الأميركي قال للمهدي بكل حزم ـ كما روى ليجوم ـ ان واشنطن تشترط ثلاثة شروط للتغيير:

أولا: ألا يتغير موقف السودان المؤيد لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية،

وثانيا: ان يواصل السودان التزامه بسداد ديونه لدى البنوك والمؤسسات المالية الأميركية وصندوق النقد الدولي، وثالثا: ان تكون المؤسسة العسكرية السودانية شريكا في أي حركة تغيير «حتى لا تنشأ حالة فوضى يستغلها المتطرفون الشيوعيون أو الإسلاميون».

وحرص بوش على أن يوضح للصادق المهدي ان المقصود بالمؤسسة العسكرية هو قيادتها العليا الرسمية، وهكذا سارت الأمور على الصعيد التطبيقي: تدخلت قيادة الجيش في لحظة حاسمة لتنتزع المبادرة من الشارع الفائر حتى تتمكن من السيطرة على مسار الانتفاضة وتوجيهها على طريق مرسوم سلفا.

ولهذه الغاية أعلن تشكيل «المجلس العسكري الانتقالي» برئاسة الفريق سوار الذهب على مستوى السلطة العليا.ومن المثير في هذا السياق ان نلاحظ أنه بينما ترك المجلس العسكري لرئيس الوزراء المدني د. الجزولي دفع الله مهمة التشكيل الوزاري

إلا أن المجلس انفرد بتعيين كل من وزير الخارجية ووزير المالية للوفاء بالشرطين الأميركيين: الموقف من كامب ديفيد ومواصلة سداد الديون. ولقد رأينا كيف تواصل تطبيق هذين الشرطين في عهد الحكومة الحزبية التي انتخبت عقب نهاية المرحلة الانتقالية.

وصفوة القول ان انتفاضة مارس ـ أبريل 1985 كانت فورانا عفويا للشارع دون ان يكون لها قيادة تنظيمية.. الأمر الذي جعل اختطافها والتظاهر بتبني شعاراتها سهلا.