شهدت إسرائيل مؤخّراً انتخابات الكنيست السابعة عشرة، وهي الانتخابات الخامسة، منذ عشرة أعوام (من العام 1996)، التي تجرى بشكل مبكّر، قبل اختتام الكنيست لولايته الدستورية (أربعة أعوام).
معلوم أن هذه الانتخابات جرت أبكر من موعدها بحوالي عام، إثر حلّ الكنيست السابق (أواخر العام الماضي)، بعد أن بات من المتعذّر، أو من الصعب، على أريل شارون (رئيس الحكومة وزعيم الليكود سابقا) إدارة الحكومة في ظل المنافسات والنزاعات التي دبّت في حزبه الليكود، كما في الكنيست السابق، بسبب الخلافات والتداعيات الناجمة عن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة.
ومن متابعة السياسة الإسرائيلية، منذ بداية عملية التسوية (في مطلع التسعينات)، يمكن ملاحظة ضعف الاستقرار الحكومي، واضطراب السياسة الإسرائيلية.
وتنامي الخلافات بين أقطابها، ما يؤشّر إلى أن إسرائيل باتت تعيش نوعاً من الأزمة السياسية المستمرة، التي تجعلها تلجأ مراراً إلى تقريب موعد الانتخابات، بسبب ضعف الإجماع من حول هذه العملية.
تميزت الانتخابات، هذه المرة، بأنها جرت، أولاً، بغياب زعامات سياسية تاريخية كبيرة أو «كاريزمية». فشارون، الذي تزعّم الليكود، ثم انشقّ عنه، وأسّس «كاديما»، مازال في غيبوبة، وشمعون بيريز، الزعيم السابق لحزب العمل، بات بمثابة الرجل الثاني .
أو الثالث في حزب «كاديما» الجديد، وثمة يهودي شرقي هو عمير بيريتس بات يتزعّم حزب العمل. ثانيا، بغياب الشعارات أو الموضوعات الكبيرة والجامعة، وقد انعكس هذا الأمر بوجود ثلاثين قائمة انتخابية، وبتدنّي نسبة التصويت في الانتخابات، أكثر بكثير من أي مرّة سابقة.
ثالثا، بانعدام إمكانية تمكّن الحزبين التقليديين الكبيرين (العمل والليكود) من تشكيل الحكومة المقبلة، بسبب الصعود الكبير لحزب «كاديما». رابعا، كانت الانتخابات بمثابة استفتاء على خطة «الانطواء»، أو الانسحاب من طرف واحد من أراض فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.
على أي حال فقد جاءت نتائج الانتخابات على النحو التالي: «كاديما» )92 مقعدا)، العمل (20 مقعدا)، الليكود (12 مقعدا)، شاس (12 مقعدا)، «إسرائيل بيتنا» )11 مقعدا)، الاتحاد الوطني (9 مقاعد)، المتقاعدون (7 مقاعد)، يهوديت هاتوراه (6 مقاعد)، ميريتس (5 مقاعد)، الأحزاب العربية الثلاثة (9 مقاعد). ومن هذه الحصيلة يمكن التوصل إلى الاستنتاجات التالية:
1 ـ إن هذه الانتخابات أسهمت في تحقيق انقلاب سياسي جديد في إسرائيل، أسوة بالانقلاب الذي حصل في انتخابات 1977 والذي أطاح بقيادة حزب العمل، وجاء بالليكود إلى سدّة رئاسة الحكومة، والانقلاب الذي حصل في العام 1992 الذي أعاد حزب العمل إلى مركز السياسة الإسرائيلية.
ويتمثل هذا الانقلاب بتحوّل ثقل السياسة الإسرائيلية من اليمين نحو الوسط، بوجود حزبي كاديما والعمل (مع 49 مقعداً)، في القضايا السياسية المتعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي. والثابت أن حزب كاديما بات يتماثل مع حزب العمل، في حين أن حزب العمل بات أكثر شبها بحزب ميريتس.
وتبدو هذه التحولات انعكاسا طبيعيا لانزياح المجتمع الإسرائيلي من اليمين باتجاه الوسط، ما تبينه استطلاعات الرأي الإسرائيلية، التي تشير إلى جنوح أغلبية الإسرائيليين نحو تأييد انفصال إسرائيل عن الفلسطينيين وعقد تسوية معهم، وإنهاء المشروع الاستيطاني التوسعي، بعد أن باتت كلفته المعنوية والبشرية والمادية باهظة.
2 ـ باتت الأحزاب اليمينية المتطرفة المعادية للتسوية (الليكود ـ الاتحاد الوطني ـ إسرائيل بيتنا) أكثر ضعفا، بعد أن تراجعت قوتها في الكنيست من 53 مقعدا (في السابق) إلى 32 مقعدا، فقط، وهذا بالطبع لا يخوّلها وضع «فيتو» على التحولات السياسية في إسرائيل، ولا على خياراتها إزاء عملية التسوية.
وبفرض احتمال تشكيل تحالف بين هذه الأحزاب من جهة والأحزاب الدينية (شاس ـ يهوديت هاتوراه، مع 18 مقعدا في الكنيست)، فإنها ستستحوذ مجتمعة على 50 مقعدا في الكنيست، الأمر الذي لن يفيدها، أيضا.
علما أن ثمة ملاحظة استدراكية هنا مفادها أن الأحزاب اليهودية ـ الدينية تميل للتحالف مع القوى الموجودة في الحكم، والتي تقدم لها أفضل عطاءات، وأن هذه الأحزاب ليست متشددة إزاء معارضتها لعملية التسوية.
يذكر أن أحزاب اليمين واليمين المتطرف والأحزاب الدينية (ليكود، الاتحاد الوطني، إسرائيل بيتنا، شاس، يهوديت هاتوراه) حازت مجتمعة، في الانتخابات السابقة (في العام 2003) على 69 مقعدا من مجموع 120، لكنها في هذه الانتخابات هبطت إلى 50 مقعدا، كما قدمنا.
3 ـ من الجهة الأخرى فإن الأحزاب الإسرائيلية المؤيدة للتسوية (العمل ـ المتقاعدون ـ ميريتس ـ الأحزاب العربية) بات لديها مجتمعة 41 مقعدا في الكنيست (32 من دون الأحزاب العربية)، وهي بدورها لن تستطيع توجيه دفة السياسة لوحدها، كما لن تستطيع التحكم بمسار عملية التسوية.
4 ـ يستنتج مما تقدم أن حزب «كاديما» سيتحكم بقواعد اللعبة السياسية في إسرائيل، للمرحلة المقبلة، فهو يستطيع التحالف مع القوى اليمينية، المعارضة للتسوية، مثلاً، ولكنه في الإطارات الحالية لن يلجأ لذلك لأنه يريد تمرير خطّة الانسحاب من طرف واحد من مناطق في الضفة الغربية.
وفق خطة «الانطواء»، التي تعارضها بشدة تلك الأحزاب. لذلك فثمة خيار سهل لحزب «كاديما» في التحالف مع حزب العمل، بحيث يصبح لديهم معا (49) مقعدا (إلى جانب امكان التحالف مع أحزاب أخرى)، إذ أن هكذا تحالف يمكن أن يحظى على تغطية من خارجه، أيضا، من المتقاعدين وميريتس والأحزاب العربية ربما.
كما يمكن قيام ائتلاف حكومي من أحزاب «كاديما» والعمل وشاس. وبذلك يمكن الاستنتاج أن حزب «كاديما» سيتمكن من تمرير برنامجه السياسي، خصوصا لجهة التحكم بخيارات عملية التسوية مع الفلسطينيين، خصوصا.
والأرجح أن حكومة إسرائيلية بقيادة كاديما والعمل ستستمر لثلاث سنوات على الأقل، مع قوة في الكنيست قدرها 49 مقعداً، خصوصا في حال حظي حزبا كاديما والعمل بنوع من استقرار الزعامة وباستقرار داخلي.
5 ـ بيّنت مؤشّرات التصويت في انتخابات الكنيست بأن المجتمع الإسرائيلي منقسم على ذاته في عديد من الأمور، ليس إلى اتجاهين اثنين فحسب، وإنما إلى اتجاهات عدّة، وهذا ما برز واضحا في انتخابات الكنيست، حيث تراجع استقطاب الحزبين الرئيسيين (العمل والليكود) لصالح اتجاهات وأحزاب أخرى (كاديما، إسرائيل بيتنا، شاس، الاتحاد الوطني، المتقاعدون).
على ذلك فثمة امكانية، ولو كانت ضئيلة، لإمكان حصول تغير في الخارطة الحزبية الإسرائيلية، على شكل انشقاقات وائتلافات سياسية جديدة، ضمنها، مثلا، احتمال اندماج حزبي الليكود وإسرائيل بيتنا مثلا، بزعامة افيغدور ليبرمان، أو اندماج الاتحاد الوطني بحزب إسرائيل بيتنا، كذلك ثمة مجال لاندماج حزبي العمل وميريتس، بالنظر للتقارب في برامجهما الاجتماعية والسياسية.
كما ثمة احتمال لإمكان تفكّك حزب «كاديما»، وعودة أقطابه إلى حزبي العمل والليكود. ولا شك أن كل تغير غير موات للأوضاع الحالية قد يدفع مجددا نحو انتخابات مبكرة، لتحديد التوازنات الحزبية الإسرائيلية، والحسم في الخيارات السياسية.
6 ـ على الصعيد السياسي يمكن الاستنتاج أن إسرائيل انتهت تماماً من سياستها التوسّعية، وأن فكرة «إسرائيل الكبرى»، باتت من الماضي، أولاً، بحكم صمود الشعب الفلسطيني وانتفاضته ومقاومته للاحتلال؛ ثانيا، بسبب مخاوف إسرائيل مما يسمى «الخطر الديمغرافي».
وحرصها على الحفاظ على طابعها كدولة يهودية، درءاً لمخاطر قيام دولة «ثنائية القومية»؛ ثالثاً، في محاولة من إسرائيل لتحسين صورتها الخارجية، بعد أن باتت تظهر على شكل دولة عنصرية استعمارية تسيطر على شعب آخر بوسائل القوة.
رابعاً، في محاولة من إسرائيل للتجاوب مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، خصوصاً بعد أن بات الوضع في العراق يثقل على الولايات المتحدة.
على الرغم من كل ذلك فإنه لا ينبغي الاستنتاج بأن الأوضاع باتت أسهل على الفلسطينيين، على العكس من ذلك، فإن هذه التحولات في إسرائيل، يمكن أن تصعب الوضع عليهم، لأنها ربما تحسّن من مكانة إسرائيل الدولية.
وتظهرها بمظهر المعتدل والساعي للسلام، كما يمكن أن تبرر لها إجراءاتها الأحادية، المتمثلة بضم الكتل الاستيطانية، والاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري، وتهويد القدس، وصولا إلى ترسيم حدودها وفق اعتباراتها ومصالحها.
كاتب فلسطيني
